خلال الأسابيع القليلة الماضية تصاعدت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين بطريقة غير مسبوقة، خصوصاً في مجال التقنية، الأمر الذي اعتبره الخبراء اشتعالاً للحرب الباردة في مجال التكنولوجيا، وبينما شددت أمريكا الخناق على الشركات الصينية، بدأت الصين في المقابل في تسريع وتيرة «الاستقلال التكنولوجي» الذي ربما يؤدى في نهاية المطاف إلى تقسيم العالم تقنياً إلى جانبين مستقلين تماماً في الأجهزة والتطبيقات والأنظمة.

وكانت بداية المعركة، قيام شركة غوغل بإلغاء ترخيص استخدام نظام تشغيل أندرويد لشركة هواوي عملاق صناعة الهواتف الذكية، والتي تعتبر ثاني أكبر مزود لهذه الهواتف في العالم بعد شركة «سامسونغ» من كوريا الجنوبية، وهذا القرار يعنى أن الشركة الصينية لا يمكنها استخدام الإصدار المفتوح لنظام التشغيل وقد لا تتمكن من تزويد مستخدميها بالتحديثات الخاصة به.

وجاء القرار ضربة قوية للشركة الصينية، وزاد الأمر سوءاً وضع الشركة الصينية على قائمة الشركات التي لا تستطيع الشركات الأمريكية التعامل معها دون إذن حكومي خاص.

القرارات الأمريكية الأخيرة دفعت شركات تصنيع الشرائح الإلكترونية مثل كوالكوم وغيرها إلى إعلان التوقف عن شحن المزيد من منتجاتها إلى شركات الإلكترونيات الصينية حتى إشعار آخر، كما تم اتخاذ قرار مشابه عندما تم منع شركة ZTE الصينية من شراء المنتجات الأمريكية بعد التراجع عن صفقة لتسوية اتهامات بخرق العقوبات التجارية، وطلب المسؤولين من الشركات الأمريكية إيقاف الشحنات حتى تتضح الصورة بما هو محظور أو مسموح. وانتهى الأمر بالولايات المتحدة إلى فرض حظر أدى إلى شل شركات الاتصالات الصينية الصغيرة قبل أن يتم فك الحظر لاحقاً.

تلك القرارات العقابية، وردود الفعل، يعتبرها الخبراء إطلاقاً للحرب غير المعلنة الدائرة منذ عدة سنوات في مجال التقنية العالية، الأمر الذي دفع شركة هواوي الصينية للعمل على بناء نظام التشغيل الخاص بها منذ فترة، استعداداً لهذا الموقف، وقال مؤسس الشركة «رين زينجفي» لوسائل الإعلام إن الحكومة الأمريكية تستخف بشركته وما يمكنها فعله.

مستخدمو أجهزة الشركة الصينية التي باعت 200 مليون جهاز هاتف ذكي خلال عام 2018 سيبقى بمقدورهم استخدام جميع تطبيقات غوغل وأندرويد، مع ترخيص لعدة أشهر للشركة لمنح مستخدميها أي تصحيحات للنظام، ولكن الأمر سيختلف عندما يتعلق الأمر بالتحديثات الأمنية، حيث كانت هواوي مثل باقي شركاء غوغل تتلقى التحديثات قبل شهر من تطبيقها، ولكن بعد القرارات الأخيرة ستعرف الشركة الصينية بهذه التحديثات يوم إطلاقها للنسخة مفتوحة المصدر، ما يعني أن الشركة ستتأخر في دمج هذه التحديثات مما يؤدى لحدوث فترة تتواجد فيها تلك الثغرات الأمنية. إضافة إلى ذلك فإن المشترين الجدد لهذه الهواتف لن يكون بمقدورهم الوصول للإصدار مفتوح المصدر من نظام تشغيل أندرويد.

في الوقت نفسه، أعلنت هواوي أنها تقوم بتطوير نظام التشغيل الخاص بها للعمل على أجهزة الكمبيوتر المحمولة وأجهزة الموبايل فى حال إجبار الحكومة الأمريكية غوغل على قطع العلاقات معها، وعلى الرغم من أن الصين تستخدم برمجياتها وتطبيقاتها الخاصة داخل السوق المحلي بعيداً عن التكنولوجيا الأمريكية، إلا أن الخطوات الأخيرة ربما تسرع خطى التطوير المرتبطة بالأسواق الخارجية أيضاً، خصوصاً أنه على مدار السنوات الخمس الماضية استثمرت الصين أكثر بكثير من الولايات المتحدة في قطاع الاتصالات والذكاء الاصطناعي والروبوتات، ومن المرجح أن يزداد دعم الدولة لهذه القطاعات بعد القرارات الأخيرة.

وشركة هواوي هي ثاني أكبر مزود لهواتف أندرويد في العالم، وتقود الشركات الصينية العاملة في المجال والتي تسيطر –مجتمعة- على هذا السوق عالمياً، ولا يتوقع أحد أن تكون التكنولوجيا البديلة في بداياتها متجاوزة للتقنيات الحالية، فلن يستطيع نظام التشغيل الصيني أن يتفوق منذ اليوم الأول على نظام أندرويد الذي طورته شركة تابعة لغوغل، كما أن الرقائق الإلكترونية المحلية لن تكون بكفاءة شرائح كوالكوم أو إكسيلين، إلا أن القيادة السياسية الصينية تعتبر أن الفشل لم يعد خياراً في ظل الضغوط الأمريكية.

ستعمل الحكومة الصينية على تقديم المزيد من الدعم للتأكد من أن صناعتها لن تتأثر، وستنفق المزيد من الأموال، ولكن الحقيقة أن الأموال وحدها لن تتمكن من حل جميع المشاكل. ولكن مع مرور الوقت من المتوقع أن دعم الدولة لصناعتها سيتغلب على التحديات التي تجعل البدائل التكنولوجية المحلية قابلة للحياة إن لم تكن قابلة للمنافسة مع التكنولوجيا الأمريكية، في المقابل لا تدعم الدولة الأمريكية صناعتها بالقدر نفسه وربما يكون ذلك اعتماداً على حالة التفوق الحالية، ولكن الموقع الذي تحتله شركة هواوي في طليعة تقنيات الجيل الخامس للمحمول 5G يلقي بالشكوك حول استمرارية القيادة الأمريكية في هذا القطاع لفترة طويلة.

وتثير هذه المعركة المخاوف ليس بين المستخدمين العاديين فقط، ولكن بين الشركات والدول لأنه مع امتداد الخط على آخره يمكن أن ينتهى الموقف في النهاية باستخدام الصين وحلفائها التجاريين مجموعة خاصة من التقنيات والشبكات والأنظمة، في الوقت الذي تستخدم فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها مجموعة أخرى مختلفة، الأمر الذي يقسم العالم تقنياً إلى مجموعتين متوازيتين، مثلما كان الأمر سياسياً في حقبة الحرب الباردة.

خلال العقدين الأخيرين تنافست الولايات المتحدة والصين على بيع التكنولوجيا الخاصة بهما في نفس الأسواق، وبحثا عن تحقيق التفوق، وكان هذا الأمر يعنى للمستهلكين والدول المختلفة المزيد من الخيارات المتنوعة، ولكن هذا الأمر يمكن أن ينتهى تماماً مع تفاقم الحرب الإلكترونية الدائرة حالياً، وربما تختار العديد من الدول الأفريقية والآسيوية واللاتينية الانضمام إلى المعسكر التكنولوجي الصيني إذا وصل الأمر لمجموعات كاملة من التقنيات والأنظمة الصينية ومثيلتها الأمريكية.القرارات الأمريكة لن تؤثر فقط على هواوي حيث تقول التقارير إن الشركات الصينية قامت بتخزين مكونات تسمح لها بالإنتاج لفترة ثلاثة أشهر على الأقل، ولكن الشركات الوسيطة في أوروبا وأمريكا اللاتينية قد تشعر بالضغط قريباً، كما يقول خبراء الصناعة إن الشركات التي تعتمد على المكونات الصلبة التي تنتجها هواوى سوف تحتاج إلى ما يقرب من عامين للتبديل إلى مكونات المصنعين الآخرين، وأنه إذا ظهر نظامان عالميان مختلفان في التقنية فإن هذا الأمر سيحد من الاختيار والإضرار بالمستهلك الذي يعتمد على السوق التنافسي.

لذا يمكن القول إن الحرب الباردة في التكنولوجيا قد انطلقت، إلا أن الفائز بها لن يكون هو الجانب صاحب القوات الأفضل، ولكن الجانب الذي سيمتلك القدرة الأكبر على تحمل آلام الخسائر الطويلة.