لم تمر سوى أيام معدودة على حالة التفاؤل التي نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتأجيله مرحلة ثانية من فرض رسوم جمركية على سلع صينية كان مقرراً لها بدء التنفيذ في سبتمبر المقبل، وذلك بعد الإعلان عن مرحلة جديدة من التفاوض بين البلدين بشأن العلاقات التجارية في واشنطن خلال سبتمبر المقبل.

ولكن يبدو أن الصين كشّرت عن أنيابها وأرادت أن تدخل المرحلة الجديدة من المفاوضات وهي صاحبة القوة الفاعلة، إذ فاجأت الاقتصاد العالمي بصدمة جديدة بإعلانها فرض رسوم جمركية جديدة على سلع أمريكية تتضمن النفط وسلعاً زراعية، اعتباراً من أكتوبر وديسمبر المقبلين وبنسب تتراوح بين خمسة وعشرة في المئة.

وعلى الفور، رد الرئيس الأمريكي بتفعيل رسوم جديدة من أول سبتمبر وزيادة رسوم حالية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستخضع واردات صينية لرسوم جمركية إضافية بنسبة خمسة في المئة رداً على تحرك الصين بدوافع سياسية لفرض رسوم على صادرات أمريكية بقيمة 75 مليار دولار.

وكتب ترامب على تويتر «من المحزن أن الإدارات السابقة سمحت للصين بأن تتملص حتى الآن من تجارة عادلة ومتوازنة، وهو ما أصبح عبئاً كبيراً على دافع الضرائب الأمريكي.. كرئيس للبلاد فإنني لم يعد يمكنني أن أسمح لهذا بأن يحدث».

وأضاف ترامب أن الولايات المتحدة ستزيد الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 250 مليار دولار إلى 30 في المئة من المعدل الحالي البالغ 25 في المئة بدءاً من أول أكتوبر المقبل.

ولفت إلى أنه سيرفع الرسوم الجمركية على بقية البضائع الصينية البالغة قيمتها 300 مليار دولار من عشرة في المئة إلى 15 في المئة.

ووفقاً لترامب، فإن الولايات المتحدة ستفرض الرسوم الجديدة على بعض المنتجات بدءاً من الأول من سبتمبر، مع تأجيل رسوم على نحو نصف تلك البضائع إلى الخامس عشر من ديسمبر المقبل.

يأتي ذلك في الوقت الذي تحذر فيه تقارير ودراسات بحثية من دخول الاقتصاد العالمي في حلقة الركود خلال العام المقبل بعد أن أظهرت البيانات الصادرة أخيراً عن الصين وبعض الدول الأوروبية ضعفاً في مؤشرات الاقتصاد الكلي وبيانات الإنتاج الصناعي نتيجة لانعكاسات وتأثيرات الحرب التجارية التي ظهرت بوادرها منتصف العام الماضي.

وفي محاولة من صناع السياسات النقدية حول العالم للإفلات من دوامة الركود العالمي قامت العديد من البنوك المركزية بتخفيض معدلات الفائدة مع الإعلان عن خطط تيسيرية لدعم النشاط الاقتصادي، ولكن ربما تجهض مزايدات الرسوم الجمركية أي محاولات للإفلات.

ردود أفعال حادة لمؤشرات الأسواق

عبرت مؤشرات أسواق الأسهم والسلع العالمية عن استيائها مباشرة بعدما أن وصل بيان الصين يوم الجمعة ليفيد بفرض رسوم جمركية على سلع أمريكية، إذ جاءت ردود أفعالها حادة، فهوت الأسهم الأمريكية بنهاية تعاملات الأسبوع بصورة عصفت بالمكاسب المحققة منذ بداية الأسبوع الماضي. وأنهى مؤشر داو جونز الصناعي جلسة التداول في بورصة وول ستريت فاقداً نحو 623.34 نقطة، بنسبة تراجع بلغت 2.7 في المئة ليغلق عند مستوى 25628.90 نقطة، وكذلك هبط مؤشر ستاندرد آند بورز500 الأوسع نطاقاً 75.84 نقطة، بنسبة 2.59 في المئة، ليغلق عند 2847.11 نقطة.

في سياق متصل، أغلق مؤشر ناسداك لأسهم شركات التكنولوجيا التي تتأثر بصورة أكبر من الحرب التجارية، منخفضاً بنسبة بلغت ثلاثة في المئة، ومع تلك الضربة التجارية يكون هذا هو الأسبوع السلبي الرابع على التوالي وفق محصلة الأسبوع الأخير مع هبوط ناسداك 1.83 في المئة وستاندرد آند بورز 1.44 في المئة وداو جونز 0.99 في المئة.

وكذلك هوت أسعار النفط بصورة كبيرة خلال تعاملات الجمعة ليفقد الخام الأمريكي وخام برنت نحو دولارين من قيمتيهما، ليغلق الأول عند 54 دولاراً للبرميل والثاني دون مستوى 59 دولاراً للبرميل بعدما صعد بقوة فوق مستوى 60 دولاراً في مستهل تعاملات الأسبوع الماضي.

ماذا عن القادم؟

لا شك في أن استمرار حالة العناد التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم ستنال من قدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على مستوياته المتدنية من النمو، فعلى الرغم من المعاناة التي نراها على اقتصادات الدول المتقدمة والناشئة على السواء وما ترتب عليه من تخفيض صندوق النقد الدولي لتوقعات معدلات النمو العالمي لأربع مرات متتالية في أقل من عام، إلا أن القادم ربما يحمل المزيد من السوء. ويحدث ذلك بتأثير الرسوم الجديدة إذا تم تفعيلها وما تحدثه من تباطؤ أكبر لحركة التجارة العالمية، وبالتالي تراجع أكبر في الإنتاج الصناعي الذي سينعكس سلباً على معدلات الطلب على النفط لنجد في نهاية المطاف أن اقتصادات دول كثيرة سينالها الوهن، سواء كانت تعتمد في مواردها على الإنتاج الصناعي والتجاري أو النفطي حتى يتم استيعاب التكلفة الجديدة على السلع والبضائع التي سيتم فرض رسوم جمركية عليها.