الانتخابات جزء لا يتجزأ من الديمقراطية، وعندما يكون الرأي العام عاجزاً عن مطالبة القادة بمحاسبة المقصرين أو المفسدين عبر صناديق الانتخاب، فإن القيادات التي تخسر الانتخابات سوف ترفض الخسارة ولن تغير سياساتها، وسيؤدي ذلك إلى تعريض الأمة للكوارث.

وغالباً ما تكون للانتخابات المتكررة نتائجها الهامشية السلبية، وحتى يتمكن القادة من الفوز فيها، غالباً ما يلجؤون إلى بثّ الشائعات لنزع الشرعية عن خصومهم ومنافسيهم، وعادة ما يميلون لاتباع خطوط سياسية متشددة من أجل تقوية شعور مؤيديهم بالوحدة والتضامن.

والديمقراطية في تركيا عريقة ومتأصلة ومتقدمة، إلا أن نتائجها السلبية متطورة أيضاً، وهي تشهد منذ عام 2014 تنظيم انتخابات عامة أو استفتاء واحد على الأقل سنوياً، ويوم 30 مارس من ذلك العام، نُظمت الانتخابات البلدية في عموم تركيا، ويوم العاشر من أغسطس من العام ذاته، أجريت عملية تصويت مباشر لانتخاب رئيس الجمهورية، وفاز فيها رئيس الوزراء عندئذ رجب طيب أردوغان، وبقي يحكم البلد حتى الآن استناداً إلى أسس مشكوك فيها من النواحي الدستورية.

ويوم السابع من يونيو 2015، صوّت الأتراك في انتخابات عامة لانتخاب أعضاء «الجمعية الوطنية الكبرى» أو البرلمان التركي، ولم يحقق فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم فوزاً حاسماً، وتعثرت جهود ومفاوضات تشكيل ائتلاف حزبي، ما اقتضى إعادة تنظيمها في الأول من نوفمبر من ذلك العام، وبين التصويت الأول وموعد إعادته، توسع التدخل العسكري في الحرب الداخلية السورية وتغيرت معه سياسة الحكومة المتبعة مع حزب العمال الكردستاني، من المشاركة في السلطة إلى حالة المواجهة بينهما.

وكان عام 2016 هو عام الهدوء لأنه لم يشهد تنظيم أي انتخابات، إلا أن محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في 15 يوليو أدخلت السياسات التركية والمجتمع برمته في حالة من الفوضى والاضطراب ما زالت نتائجها قائمة حتى الآن.

وفي شهر يناير 2017، جاء «التعديل الدستوري الشامل» ليحوّل النظام السياسي في تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، وصادق عليه البرلمان، وفاز بموافقة الشعب في استفتاء عام، وأصبح نافذ المفعول بتاريخ 16 أبريل.

وفي 24 يونيو 2018 تم تنظيم عمليتي انتخاب في يوم واحد، تهدف الأولى لتقوية منصب الرئيس، والثانية لانتخاب برلمان جديد قبل عام من نهاية ولايته، وفاز أردوغان في التصويت الأول، وحقق حزب العدالة والتنمية الأغلبية الوحيدة في تاريخه في التصويت الثاني.

وهذا العام، أجريت انتخابات بلدية في عموم تركيا إلا أن حملات الأحزاب المتنافسة في إسطنبول كانت شرسة جداً وكشفت عن انقسامات اجتماعية حادة عززت من احتمالات حدوث مواجهات عنيفة.

والآن، دخلت السياسات التركية المحلية حالة ركود، وتم تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة عام 2023، وبما يمنح الشعب التركي الوقت الكافي للتفكير بمستقبله، فهل سيكون أردوغان «الأب المؤسس» الجديد عام 2023 بحيث يعود عصر السلاطين إلى الشرق الأوسط من جديد؟