في غمرة ما يحصل من ضبابية تسود المشهد السياسي التونسي، قبل الانتخابات وأثناءها، وقد تمتد إلى ما بعدها، ثمة أحجية من جنس المعضلات تهيمن على المواطن التونسي، منها: أنه يدرك عمق الأزمة في بلاده، وأنه واعٍ بقدر إدراكه نفسه أن كل المرشحين للانتخابات التشريعية أو الرئاسية، غير قادرين أو لم يطرحوا من الأساس على أنفسهم برامج ناجعة للتصدي لأسباب الأزمة وأعراضها.

هنا تصبح العلاقة بين الأزمة التي يعيشها التونسي يومياً، وبين الحدث الانتخابي الذي يفترض أن يوفر حلولاً للتصدي لهذه الأزمة، نوعاً من اليأس الجماعي سوف يترجمُ إما إلى مقاطعة الانتخابات، أو إلى انتهاج التصويت العقابي، وهو تصويت لا اقتناع فيه ببرامج هي غير موجودة أصلاً.

وبما أن التصويت العقابي لا ينطلق سوى من خبرة سابقة بساسة لم يقدموا إلا الخراب للبلاد والعباد، فإنه تصويت قد يصبح حاملاً لعنوان تفادي الأسوأ وهو في النهاية خيار ناجع وذكي، عكس ما يبدو عليه حين يحمل وصف التصويت العقابي.

التونسي الذي يئس من قدرة ساسة بلاده على التغيير، أو إحداث فروقات معيشية، وهو يأس مشروع بجرد حساب السنوات الماضية، عليه أن يحسم قراره ويقرر لمن لن يصوت.

وفي تحديد من لا يستحق صوت التونسي، معايير دقيقة وواضحة، تجمع بين جرد السنوات الماضية، وتفادي الأسوأ.

جرد السنوات الماضية بيّن أن الساسة الذين تعاقبوا على حكم البلاد كانوا «هواة»، بكل ما تحمله الكلمة من صدفة ودوافع غير سياسية، وأثبت أنهم نقلوا البلاد من أزمة خانقة إلى أخرى أكثر استعصاء على الحل.

قد يبدو هذا الكلام فاقداً لأدوات التحليل السياسي، لكن استحضار معايير واضحة لاستبعاد من لا يجدر بهم الوصول إلى حكم البلاد، سيحول الأمر إلى نوع من النظر السياسي الدقيق.

المرشح أو الحزب الذي لا يرى تونس وطناً قابلاً للعيش المشترك، ليس جديراً بحكمه، والمرشح الذي ينظر للديمقراطية بوصفها مجرد مطية للوصول إلى الحكم، من دون أن يقبل بأحكامها، ليس مخولاً بأن يصل للبرلمان أو الرئاسة، والحزب الذي يريد نقل البلاد من محيطها العربي والإقليمي الطبيعي إلى مداراته الأيديولوجية والعقائدية والدينية يفترض أن يكون خارج هذه المفاهيم الحديثة التي يقتضيها الحكم.

الناخب التونسي القابع اليوم في مواقع الحيرة السياسية، عليه أن ينتصر لوطنه ولمستقبل أولاده، وألا يصوت لأحزاب دينية راكمت خبرات التقية والغدر السياسي، وبذلك يصبح الأمر أكثر يسراً من اختيار لمن يجب أن يصوت.