يهدد تحول الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين إلى مواجهة مفتوحة اقتصادات بلدان الخليج العربي بعواقب وخيمة بحكم كونها شريكاً تجارياً وثيقاً مع طرفي الخلاف.

وعلى الرغم من أن النفط بحد ذاته ليس سبباً في الحرب التجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، إلا أن حالة التشاؤم بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي وحركة التجارية الدولية تعني تراجع الطلب العالمي على النفط، الذي يمثل المصدر الأساسي لإيرادات الميزانية والمحرك الرئيس للأداء الاقتصادي للكثير من الاقتصادات الخليجية.

وتستحوذ دول الخليج على نحو 40 في المئة من واردات الصين من النفط، ما يعني أن انخفاض النشاط في الصين نتيجة الحرب التجارية سيقلص الطلب الصيني على النفط من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وهناك توقعات بانخفاض سعر النفط إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل إذا ما جرفت الحرب التجارية الاقتصاد العالمي في طريقها، حيث أدت الحرب التجارية حتى الآن إلى محو نحو 500 ألف برميل يومياً من الطلب على النفط.

وربما دفع ذلك صندوق النقد الدولي لخفض توقعاته حول الفوائض المالية للبلدان الخليجية مجتمعة من 275 مليار دولار إلى نحو 100 مليار دولار، وحذر من أن بعض هذه الدول ستواجه عجزاً مالياً إذا استمر الإنفاق الحكومي وفق المستويات الحالية.

ويقول كبير محللي النفط لدى بنك أوف أمريكا ميرل لينش فرانشيسكو بلانك إن أسعار النفط تقف على حافة الهاوية، مشيراً إلى أن الطلب على النفط تراجع إلى نحو 600 ألف برميل يومياً في الأشهر الستة الأخيرة من العام الجاري مقارنة مع 1.5 مليون برميل يومياً خلال السنوات الأربع الماضية.

وتمثل حالة التشاؤم من مستقبل الاقتصاد العالمي أكبر تحدٍّ لأسواق النفط العالمية، حيث تستهلك الصين وأمريكا وحدهما نحو ثلث الإنتاج العالمي من النفط، دون الأخذ في الحسبان تراجع الطلب على النفط في البلدان الأخرى التي ستتضرر بالضرورة نتيجة الحرب التجارية.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن عواقب ضعف الثقة بالاقتصاد العالمي أصبحت واضحة، ما دفع الوكالة إلى خفض توقعات نمو الطلب على النفط لعام 2019 بمقدار مئة ألف برميل إلى 1.2 مليون برميل يومياً.

وبطبيعة الحال فإن النفط ليس نقطة التماس الوحيدة مع الحرب التجارية التي يمكن أن تتضرر منها الاقتصادات الخليجية، فالرسوم الجمركية، وهي أداة الحرب التجارية المفضلة، ستضغط على استهلاك المواطن الأمريكي، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة، كما سيكون له تأثير في عملات دول الخليج، نظراً لارتباطها المباشر بالدولار الأمريكي، لا سيما أن التضخم المرتفع يعني قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، ومن ثم رفع أسعار الفائدة بدول الخليج بالتبعية، ما يرفع تكلفة التمويل على الشركات والأفراد.

وهناك من يرى أن صناعات البتروكيماويات الخليجية قد تستفيد من النزاع الأمريكي الصيني، بعد فرض الصين ضرائب جمركية على واردات البتروكيماويات من أمريكا، ما يمنح ميزة تنافسية للمنتجات القادمة من الخليج.

وتعمل الصين الآن على نحو متزايد على تحويل تركيزها إلى الدول غير الغربية على خلفية الحرب التجارية، كما أنها تحرص على إقامة شراكات مع دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات البنية التحتية والتصنيع والتعاون في مجال الطاقة وآلية التمويل.

دخلت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة من التصعيد تهدد بدفع أسعار النفط في هوة سحيقة في ظل إصرار الجانبين على عدم إظهار أي نية للتراجع.

وجاءت المرحلة الجديدة من التصعيد بعد أن رفع الرئيس الأمريكي الرسوم الجمركية على 200 مليار دولار من السلع الصينية الجديدة من عشرة في المئة إلى 25 في المئة، ليرتفع بذلك إجمالي السلع الصينية الخاضعة للرسوم الجمركية العقابية الأمريكية إلى نحو 500 مليار دولار.

ولم يمض وقت طويل حتى ردت الصين بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 25 في المئة على نحو 60 مليار دولار من السلع الأمريكية اعتبار من الأول من يونيو المقبل.

ويعد الرئيس الأمريكي العدة لفرض رسوم مماثلة على نحو 325 مليار دولار من الصادرات الصينية للأسواق الأمريكية، لتصبح بذلك جميع الصادرات الصينية للسوق الأمريكي خاضعة للرسوم، بل وذهب الرئيس الأمريكي إلى التلويح باستخدام صلاحيات قانون الطوارئ الاقتصادية لإجبار الشركات الأمريكية على مغادرة الصين.

ويفتح التصعيد الأخير الباب أمام توسيع وتعميق نطاق الحرب التجارية بين الدولتين صاحبتي أكبر اقتصادين في العالم.

وتشير مجموعة من المؤشرات الاقتصادية إلى أن النزاع الذي دام عاماً له تأثير متزايد في الاقتصاد العالمي، حيث انخفضت الصادرات الأمريكية إلى الصين بنسبة 30 في المئة على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2019، فيما انخفضت الصادرات الصينية إلى أمريكا بنسبة تسعة في المئة.

وتشير تقديرات الخبراء إلى أن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة يمكن أن تؤدي إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي العالمي بنحو 0.6 في المئة أي ما يعادل 525 مليار دولار بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

ووفقاً لتقديرات سابقة فإن الاقتصاد الصيني سينمو بنسبة 6.5 في المئة، وهي أقل نسبة نمو منذ عام 2011، وهناك بالفعل علامات على تضرر الاقتصاد الصيني نتيجة الحرب التجارية، حيث تراجعت مبيعات السيارات في أكبر سوق للسيارات في العالم في أبريل للشهر العاشر على التالي بنسبة 14.6 في المئة مقارنة مع أبريل من العام الماضي، ونفس الشيء ينطبق على الطلب على السفر والقروض المصرفية، ما اضطر الحكومة الصينية لطرح حزمة من المحفزات المالية لتطويق تراجع وتيرة النمو الاقتصادي.

وبحسب تقديرات خبراء سيتي بنك فإن تراجع بمقدار واحد في المئة في إجمالي الناتج المحلي الصيني يلاشي نحو 250 ألف برميل يومياً من الطلب على النفط.

ويقول الخبراء إن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة أدت إلى تراجع معدل نمو حركة التجارة العالمية من سبعة في المئة قبل اندلاع حرب الرسوم إلى أقل من 2.5 في المئة حالياً.

في المقابل، فإن سحابة سوداء تتجمع في أفق الاقتصاد الأمريكي، فعلى الرغم من نمو الناتج المحلي الأمريكي خلال الربع الأول من العام الجاري وتراجع معدلات البطالة، إلا أن شركات البطاقات الائتمانية والبنوك وشركات الرهن العقاري تشكو ضعف السلامة المالية للمستهلكين، فيما تهدد الحرب التجارية بإغراق القطاع الزراعي الأمريكي في حالة من الفوضى العارمة، حيث انخفضت أسعار فول الصويا إلى أدنى مستوى في عشر سنوات.

ويستخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سلاح الحرب التجارية مع الصين، ليس فقط من أجل تصفية الحسابات مع الصين فقط وإنما لخفض أسعار البترول وهو هدف رئيس لسياسات ترامب منذ وصوله إلى السلطة. ويرى بعض الخبراء أن النفط يمكن أن يكون نقطة الالتقاء الوحيدة بين الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم والصين باعتبارها أكبر مستهلك للنفط في العالم، ما يعني أن النفط يمكن أن يكون مفتاحاً لحل الحرب التجارية بينهما.