أقول من باب الصراحة إني لست من مدمني قراءة الكتب، فأنا أقرأ حسب الضرورة، غير أنني - بمقتضى عملي أستاذاً جامعياً في الأدب العربي الحديث - أحاول أن أطالع كل ما يتيسر لي حول المواد التي أدرسها في الجامعة، وقراءاتي في الأدب الإنجليزي - الأمريكي لا تتعدى بعض الكتاب والأدباء من أمثال: مارك توين وف.سكوت فيزجيرالد، وأرنست همنغواي.

إلا أن تجربتي مع الأديبة توني موريسون تختلف بعض الشيء، ويعود ذلك إلى شغفي الكبير بكتابات إدوارد سعيد، ولا سيما كتابه الشهير (الاستشراق) الذي قرأته أولاً حين كنت طالباً في الماجستير في قسم التاريخ في بداية التسعينيات، وقد لفت انتباهي إلى أدب توني موريسون حوار إدوارد سعيد المنشور في إحدى الجرائد الذي تحدث فيه عن الروائية وأدبها، فقرأت لها، وأوله روايتها (نشيد سليمان)، أعجبت بها أيما إعجاب، وقرأت لها (محبوبة)، ويالها من رواية بارعة، وقرأت روايتي (فردوس) و(حب)، ثم قصدت أن أقرأ رواياتها جميعاً، ولكن لم أتمكن من ذلك.

لا أبالغ حين أقول إن أفضل الأدباء الذين تأثرت بهم هما عبقري الرواية العربية الطيب صالح الذي أحببت رائعته (موسم الهجرة إلى الشمال)، والأخرى توني موريسون، ووجدت بينهما تشابهاً في رفضهما للعنصرية والاستعلاء الاستعماري وإبرازهما لمعاناة مجتمعات السود المستعبدين.

أتحفت الكاتبة الأمريكية توني موريسون المكتبة العالمية بروايات عظيمة، مثل: (العين الأكثر زرقة، وسولا، ونشيد سليمان، وطفل القطران، ومحبوبة، وجاز، وفردوس، وحب، وشفقة، ووطن، وليكن الرب في عون هذه الطفلة، والتي توجتها بجائزة نوبل للآداب عام 1993، ونوهت لجنة الأكاديمية السويدية في قرار اختيارها موريسون بمخيلتها الواسعة، وقدرتها على التعبير الشاعري، وتوصيفها الحي لجانب أساسي من الحياة الأمريكية، كما نوهت بالطريقة «التي تستعمل بها اللغة نفسها.. إنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق»، وبذلك صارت موريسون أول كاتبة أمريكية سوداء فازت بجائزة نوبل.

ما يميز الروائية إبرازها لمعاناة السود والعبودية، وتاريخ الأفارقة الأمريكيين، وكما كتبت توني عن الرحمة والمحبة، واشتهرت بوصفها أحد أبرز رموز الأدب الأمريكي المعاصر ودفاعها عن حقوق الأقليات، ولا سيما حقوق الفلسطينيين.

لذلك فإن وفاتها في الخامس من أغسطس الجاري ملأت قلبي حزناً عميقاً، فوفاة هذه الرموز الثقافية تمثل خسارة كبرى للبشرية جمعاء.