الثلاثاء - 19 نوفمبر 2019
الثلاثاء - 19 نوفمبر 2019

رسالة إلى حبيب الصايغ

عزيزي حبيب الصايغ.. السلام عليكم في دار الحق والخلود.

تعود بي الذكريات القريبة والبعيدة ـ وهل أملك في الوقت الراهن غيرها ـ إلى تلك الأخاديد التي حُفرت في ذاكرة الزمن، منذ التقينا لأول مرة رفقة الصديق الإعلامي والروائي سعيد البادي بدعوة جمعنا فيها الملحق الإعلامي المصري بعد ملف «في بلاد عرب الشمس والسلطان».. كان ذلك منذ أربع عشرة سنة خلت.

لحظتها كنت صامتاً متأملاً، يخيل للمرء أنك من سلالة فلاسفة تمتد إلى حلقات في أروقة اليونان القديمة، لكنني كنت أعرفك قبلها في سياقات رهانات الإعلام الإماراتي، حيث كنت تصنع أسبقيته في منافسة شريفة وجادة في عالم صناعة الخبر، في معارك ظاهرة وخفية بين جريدة «الخليج» وغيرها من الجرائد المحلية الأخرى، وخاصة جريدة «الاتحاد».


بعد ذلك بسنوات عملت تحت رئاستك بشكل مباشر، وأشهد أنك كنت ديمقراطياً معي إلى أبعد الحدود، ذلك أننا كنا مختلفين حول جملة من القضايا، وكانت مواقفنا متباينة لدرجة التنافر بشكل واضح وجلي في نقاشات عالية الصوت في محاضرات وندوات مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، واتحاد كتّاب وأدباء الإمارات في أبوظبي والشارقة، بل إن خلافاتنا بلغت ذروتها في نقاشات جانبية وجلسات خاصة، وكنت في جميعها تقول حين يتدخل الآخرون مؤيدين لك: «هذا نقاش بيني وبين صديقي.. فدعوا أمره لي».

عزيزي أبو سعود.. ما أتيت على ذكره آنفاً أسَّس لنوع من العلاقة المفقودة اليوم بين رفاق الدرب الواحد، وهي ما تبقَّى لنا من محبة لم تنته ولا تفنى بحلول الموت، لذلك أنا أفتقدك اليوم على المستوى الفكري، لأنه بغيابك فقدت فضاء للتعبير عن مواقفي الإعلامية والسياسية دون خوف أو وجل، حيث التعبير عن رؤية أخرى مختلفة كانت تصل إلى صانع القرار في الدولة بشكل أو بآخر.

لا شك أن ما أعرفه عنك لا يذكر مقارنة برفقاء دروبك الآخرين، وما أكثرها وأكثرهم، ولكنني تعلمت منك ما أعتبره زاداً وشعاع نور، ولن أدخل في التفاصيل هنا، لكن تكفيني دروسك غير المباشرة في معرفة الأولويات بالنسبة للمثقف حين يتعلق الأمر بمصير الدولة في أزمنة السلم والحرب، والفرق بين التبعية والحفاظ على المسار والمصير بحثاً عن غد أفضل.. وأحسب أنك كنت صادقاً في ذلك، وتلك رسالتك لنا بالحضور.. وهي سابقة عن رسائلنا لك في الغياب.. رحمك الله، وعفا عن خطاياك، وغفر لك.
#بلا_حدود