كانت ولا تزال اختلافات المسائل الفقهية والتشريعية هي المنفذ والسبيل الذي اتخذه المتشددون في تسويغ وشرعنة كياناتهم المتطرفة، فبحثوا وانتقوا أكثرها اختلافاً بين المذاهب، ومن ثم قاموا بتفكيكها، مشفعيها بالأسانيد الصحيحة المحرفة، فزوروها بمعرفتهم لإقناع الجُهّل من العامة بها.

إن المتابع لبرامج الفتاوى الإذاعية والتلفزيونية سيلحظ أن جهلاً في أبسط الأمور الفقهية وأصول العبادات ضرب بأطنابه، فضلاً عن الأمور الشرعية، والذي يتجلى في كثرة الأسئلة المتشابهة وتكرارها، عدا تلك الساذجة منها التي لا تتطلب فتوى بقدر ما تتطلب التوكل على النية لا أكثر.

عمّ الخلط بين جميع الفئات الاجتماعية على اختلاف مستوياتها التعليمية في أصول العبادات وبعض الأعراف والعادات الاجتماعية التي تتفاوت من مجتمع إلى مجتمع، ومن بلد إلى بلد، ومن منطقة إلى منطقة.

واكتسح الجهل بالأحكام الفقهية، فحُرفت بعض النصوص وأُولت على نحو خاطئ، وانساق البعض وراء «المُفتُون الجدد» من المتأوّلين في أمور الفقه والتشريع، والذين باتوا اليوم أكثر من حصى الطرقات الجبلية، سواء ممن اكتسحوا وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، فحتى البسطاء العاديون يجتهدون بالتضييق على أنفسهم في المسائل الفقهية التي فيها سعة ورحمة، يلقنونها للمقربين منهم وكأنها عرفٌ متوارثٌ وليست جزءاً من عبادات وتشريعات مسندة بالقرآن والسنة النبوية.

وحتى نردم هوّة الغلو والجهل وما بينهما في ثقافتنا الدينية اجتماعياً، علينا أن نكثف جهودنا في مجالات الإرشاد الديني الفقهي، والتشريعي عبر كل الوسائل المتاحة، لسد الثغرات وتقويض خطط المتربصين بنا شراً باسم الدين!