لست مؤمناً بأن الصدفة وحدها تؤدي إلى الاختراعات، لذلك، لا أصدق أن ما حدث لأرخميدس - إن صح - كان سبب اكتشافه لقانون طفو الأجسام.

تقول بعض الحكايات إن هايرون ملك سرقوسة اتهم الصائغ الذي صاغ له تاجاً بأنه غشه بخلط الفضة بالذهب، فطلب من أرخميدس أن يفحص التاج دون أن يفكه، وذات يوم كان أرخميدس في الحمام وخرج منه وهو يصرخ «وجدتها.. وجدتها»، وذلك أن الماء دفع جسم هذا العالم إلى أعلى عندما انغمر في حوض الحمام، فاكتشف أن الجسم الـمغمور في الماء أزاح كميةً من الماء مساويةً لحجمه وأن وزنه قل أيضاً بمقدار وزن الماء الـمزاح، وبهذا الاكتشاف استطاع أن يحدد نسبة نقاء الذهب في التاج دون كسره، بإجراء تجربة على التاج وكمية مساوية لوزنه من الذهب الخالص.

وتنقل إلينا حكايةٌ عن نيوتن أنه كان في حديقة فوجد ثمرةً تسقط إلى الأرض، فتساءل: لماذا لا ترتفع تلك الثمرة إلى أعلى بدلاً من الهبوط إلى أسفل؟، واكتشف بذلك جاذبية الأرض.

ويروي بعض إخباريينا ومؤرخينا حكاية عن الخليفة المأمون أنه رأى أرسطو ذات ليلة في منامه، فكان ذلك سبب اهتمام هذا الخليفة الملهم بعلوم القدماء وفلسفتهم!

وهذه الحكايات على افتراض صحتها، لا تدل على أن تلك المصادفات وحدها هي التي أدت إلى تلك الاختراعات والإنجازات، فحكاية أرخميدس إن دلت على شيء فإنما تدل على اهتمام هذا العالم بالملاحظة العلمية وانشغاله بموضوع طفو الأجسام، ثم حاجته إلى فحص التاج؛ وإلا لـما وجد شيئاً.

فكم من أناسٍ غمروا أنفسهم في حوض الحمام ولم يكتشفوا شيئاً، وكم من بشر رأوا ثمار الأشجار تساقط بكثرة، لا سيما في فصل الخريف، ولم يعرض لهم أي أثر لذلك في الحياة أو العلم.

وإن صح أن الخليفة المأمون رأى أرسطو في منامه، فليس ذلك سبباً لاهتمامه بعلوم الأولين؛ بل، العكس، كانت رؤياه نتيجةً لذلك، فالإنسان يحلم عادة بما يشغل حياته اليومية، ولو رأى أرسطو في المنام أو لم يره، فإن ذلك لم يكن ليغير من همته العالية شيئاً؛ إذ عرف عنه منذ خلافته أنه كان شغوفاً بالعلم والفلسفة باحثاً عنهما في كل مكان، لذلك؛ فإن الحاجة والفكر، وليست الصدفة، هما مصدر الاختراع.