الأربعاء - 23 أكتوبر 2019
الأربعاء - 23 أكتوبر 2019
No Image

مواد صلبة للتبخر!

جلس الصغير سارحاً في حالةٍ من التعجب والاندهاش، فهذه هي المرة الثانية التي يسمع من أمه عبارة: «كيف تبخّر طبق الحلوى فجأة»، فبالأمس قالت شيئاً يشبه هذا كان له نفس الوقع على ذهنه الصغير، لكن وقعها اليوم يختلف، والغريب أنه سمع من والده عبارات مشابهة ليست بعيدة حين قال: «النقود تتبخر بسرعة عجيبة هذه الأيام»، «الراتب تبخر»، ومرة أخرى: «تبخر الأصدقاء كلهم جميعاً عندما احتجتهم»، وتساءل الصغير: هل يعطينا مُدَرِّسُ العلوم الفيزيائية معلومات خاطئة.

بالأمس فقط كان الدرس حول تحول المادة، وتعلم الصغير من مُدَرِّسِه أن المادة تتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية عندما تتعرض للحرارة، بينما تتحول الصلبة إن تعرضت للحرارة إلى الحالة السائلة، ولا يمكن للصلبة أن تتبخر، فهل المدرس مخطئ؟، لأن والده وأمه لا يخطئان حسب تجربته وخبرته، فالآباء لا يخطئون، خصوصاً أن والديه خريجا جامعات، لذلك لا يمكنه التشكيك بهما وبمعلوماتهما، ومن هنا خَلُصَ إلى أن الخطأ من المدرس بكل تأكيد دون أدنى شك.

وكبر الصغير واتسع معجمه اللغوي، فلم تعد الكلمات تعبر عما يريد، فصار يستعمل ألفاظاً أكثر تعبيراً ووقعاً، وأدرك أن في حرارة الغلاء تكمن قوى خارقة تؤدي أحياناً لتبخر المواد الصلبة كالنقود والمرتبات بكاملها، ثم سمع عن السيولة المالية، وأدرك كذلك أن حرارة الجوع كفيلة بأن تبخر أطباق الحلوى وأطباقاً أخرى عديدة، وأدرك أن قوانين الفيزياء لا تنطبق دوماً على الواقع، وأن لدينا متسعاً من المرونة في لغتنا بحيث نقتبسها لنطبقها على يومياتنا مجازاً.
#بلا_حدود