لا أدري إن كان قد أريد بنا شر أم خير في مستقبلنا؟.. لكن المؤكد في الوقت الراهن أننا في حالة من التِّيه والسفاهة وانعدام الرشد لا يمكن مقارنتها بأزمنة ماضية من عمر أمتنا، مع وعينا أن الحديث عن الجامع بيننا أصبح مرفوضاً من كل القوى الفاعلة أو بالأحرى المُنْفعلة، حيث الانحطاط الكلي في صناعة القرار السياسي، وما يتبع ذلك من تداعيات توشك على أن تكون مقدمات غير مخيفة ليوم الحشر، غير أنها تصيبنا في مقتل إذا ما قارنا حالنا بأمم لم تدعم بمشروع رسالي حضاري مثلنا، وظلت أعناق أهلها مشدودة إلى فلسفات ذات طبيعة وثنيَّة، جعلتها فاعلة، خصوصاً في الجانب المادي لمدنية اليوم.

معروف أنه لا جدوى من إعادة طرح مشكلات الواقع، فمعظمنا يعيشها أو يصنعها، معتقداً ـ بوهم ـ أنه ابن الحكمة حالياً، وصانع للحلول مستقبلاً، بشراكة قاتلة لوعي زائف، ذلك لأن الشواهد والوقائع والمواقف جميعها، شاهدة عن عجز واضح في تقديم إجابة للسؤال المركب الآني: نحن مع من؟.. وضدّ من؟، وهو بالتأكيد موجّه لتلك الأمة التي يشملها محور نواكشوط ـ جاكرتا عموماً، وللأمة العربية خصوصاً ـ سواء أكانت عروبتها عرقاً أم ثقافة ـ باعتبارها الجزء الفاعل في هذا المحور، مع أن الوضع يكشف عن أن مساحة ذلك المحور ضاقت رغم من وُسْعِها، وتقلصت رغم مدها، ولم يبق لها مكاناً إلا لدى الذين وجلت قلوبهم خوفاً من مصير أخروي مؤسس على الفعل الدنيوي، وقليلٌ ما هم.
لا شك في أن الأغلبية منا تؤرقها مشاهدة الأحداث حين تصبح وحين تمسي، وهي لا تعرف العدو من الصديق انطلاقاً من سفاهة القرارات السياسية، حيث الإجابات مصحوبة بالدماء، والاختيارات الكبرى تأتي محملة بأوزار صُنّاع القرار ممن ارتأوا في أفعالهم خيراً لشعوبهم وإرضاء لسادة العالم ومفسديه، ويتم قبولنا بها لعقود ـ رهباً ورغباً، خوفاً وطمعاً ـ وحين نصل إلى النهايات، ويعمنا الطوفان، وينقضي العمر الجمعي للأجيال المتعاقبة، نحاول النجاة من الغرق عبر تضخيم لأوطان هلامية وندخل في حروب وهمية، تقضي على الاحتماء الديني من خلال الجغرافيا الممتدة، التي تتقلص في مساحات كبيرة أو صغيرة للأوطان، واجب حُبها، ومرفوض تأليهُها أو تحويلها إلى وثنيّة عصرية، ونجد أنفسنا في حال من الضياع والحيرة، متسائلين للمرة المليون: هل محور نواكشوط ـ جاكرتا لا يزال قائماً؟.. وإذا كان موجوداً هو مع من؟.. وضد من؟