كان أحمد بن بلة في هذه الأثناء رئيساً للوزراء.. لم يصبح بعد رئيساً للجزائر، ولكنه كان زعيم الثورة ووجهها لدى العالم، وفي أثناء زيارة له إلى الأمم المتحدة في نيويورك، دعاه الرئيس جون كينيدي لزيارته في البيت الأبيض.

سألت الرئيس بن بلة حين التقيته في أبوظبي عام 2003 عن ذلك فقال: «عاملني كينيدي معاملة طيبة، واستقبلني كرئيس جمهورية مع أنني كنت رئيساً للحكومة المؤقتة، وكان كينيدي مُصراً على استقلال الجزائر، كان رائعاً وطيباً في داخله.

ولكني قلت له: سوف أذهب من هنا إلى كوبا.

فذهل كينيدي وقال لي: من هنا؟! لو فعلتها لضربتك الدفاعات الجوية الأمريكية، فهي تضرب كل طائرة تذهب إلى كوبا.

قلت له: نحن ثوار.. لا نخاف، وأنا عندي قرار من الحزب «جبهة التحرير» بالسفر من هنا إلى كوبا لزيارة كاسترو، وهذا قرار مقدس لا بد من تنفيذه.

قال: اذهب إلى المكسيك ومن هناك إلى كوبا.

قلت له: الأمم المتحدة ليست أرضاً أمريكية، وقد سببت له إحراجاً كبيراً بذلك.
ولكنه في النهاية قال لي: اذهب.
ذهبت إلى كوبا وكان استقبالي هناك عظيماً، فلم يكن هناك من يجرؤ على زيارة كوبا في ذلك الوقت».

لم يكن الرئيس بن بلة موفقاً، ولم يكن الرئيس المصري جمال عبدالناصر كذلك، ولقد ذكرت ذلك للأستاذ محمد حسنين هيكل ذات مرة، ولكنه ارتأى أنني لا أفهم دواخل السياسة في تلك الحقبة، وأن ما جرى كان سليماً.

ما زلت على موقفي أرى خطأ ذلك، فقد كان جون كينيدي فرصة عظيمة للعالم العربي، إنه الرئيس الأكثر أخلاقية تجاه قضايانا.

لقد تكرر الخطأ مع السيناتور روبرت كينيدي، المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية الذي اغتاله شاب فلسطيني في الخامس من يونيو 1968.

قال الشاب إنه اختار الذكرى الأولى للنكسة ليقتل رجلاً مؤيداً لإسرائيل، لقد أضاع «سرحان سرحان» الفرصة الثانية لبلادنا، كان روبرت كينيدي أكثر عدالة تجاهنا، وكان مشروعه ضد الفقر والحرب، وكان يمكننا استثماره لو صار رئيساً.

لم تكسب القضية الفلسطينية شيئاً من اغتيال روبرت كينيدي، ولكن العكس هو ما حدث، فقد كان ذلك بداية صعود اليمين الأمريكي وتراجع الحق الفلسطيني عاماً وراء الآخر.

يشكك كثيرون في مسؤولية سرحان سرحان، وتوجد آراء قوية تتحدث عن شخص آخر كان داخل مطبخ فندق إمباسادور هو من أطلق الرصاص وقتل الرئيس القادم.

في كل الأحوال، كانت خسارة العالم العربي من اغتيال الأخوين كينيدي كبيرة للغاية، فمن بعدهما تراجعت مصالح منطقتنا في الاستراتيجية الأمريكية.

إن عائلة كينيدي ليست وحدها بما جرى لها، ولكن السياسة العربية نُكبت هى الأخرى بنكبتها حين أضاع الآخرون فرصة بأيديهم، ثم أضعنا نحن فرصة بأيدينا.