لا أدري إن كان يحقُّ لنا في التحليل السياسي أن نعمّق حديثنا، أو حتى نمر سريعاً على قضايا الحب؟.. لكنني سأحاول هنا جاهداً أن يكون للعواطف نصيب مفروض من التحليل، ذلك لأن الحياة بكل ما فيها من تناقضات وتقاطعات، تعمير وتدمير، محبة وكراهية، هي في المحصلة النهائية علاقة بين زوجين اثنين، هما الذكر والأنثى، وما يتبع تلك العلاقة من تفصيلات لجهتي الكثرة والقلة، في الأعداد البشرية، وفي الأفعال، وفي المعاملات، وفي اتخاذ قرارات السلم والحرب.

على النحو السابق يدفعنا إثبات الوجود إلى المرور عبر بوابة الحب من خلال تعميق علاقة الذكر بالأنثى، وليس فقط علاقة الرجل بالمرأة.. هنا يصبح تفادي الفشل أمراً حتمياً، ليس فقط لأن استمرارية الحياة تتطلب ذلك، وإنما لأن أي فشل من أي نوع سيؤدي بالضرورة إلى تحويل العقد النفسية إلى أفعال ضارة، وأحياناً قاتلة ـ سواء أكانت في العلاقة الأولى بين الزوجين أم في نتائج تلك العلاقة لجهة التناسل والتكاثر، وتقديم البشر وقوداً للحروب كلما اشتد لهيبها ـ ولا شك في أن الخوف يتعمّق أكثر، وقد يتراكم ليتحول في النهاية إلى حالة جماعية، في حالتي غياب الأمان وظهور الجوع، ومن ذلك تأتي انتفاضات الشعوب ضد الحكومات والأنظمة، نسترد فيها قصة الحياة الأزلية التي هي ما ذكرنا في البداية عبارة عن علاقة ذكر بأنثى.

قد يبدو ما ذكرته آنفاً نوعاً من التبسيط المقصود، وعلى فرض أن حالة التجانس في المجتمعات كلها تعود في وقتنا الراهن المملوء بالتعقيدات.. فما الضير في عودتنا غير مكابرين إلى حيث البدايات؟، عندما كانت الطبيعة مرآتنا العاكسة، من خلالها نُسّطر الخطوط الأولى في عالم الرمز، ونشترك مع كائناتها في تقرير المصير لحياة مشتركة ضارة ونافعة.. أي حين كان الحب على المستوى البشري في بداياته مصحوباً بالستر وبجماليات الفطرة وبآهات الفزع من خوف تعميم وتكرار الجريمة الأولى، حين لم يتقبل قربان ابن آدم لعلاقة ذلك بالطهر.

على خلفية ذلك كله، وفي ظل ميراث متراكم يؤسس لعلاقات متقطعة بين ألاعيب السياسة، وقصة الوجود الممثلة في الذكر والأنثى، لنفكر جميعاً في صناعة القرار السياسي.. إنه بلا ريب نتاج لتلك العلاقة في سلبيتها وإيجابيتها، مثلما هو عند التنفيذ موجه لنفيها أو إثباتها.. هناك وهناك فقط، يبدأ السؤال عن شرعيتها، وجدواها حتى لو أتتنا محملة بِعُقد الحكّام.. وما أكثرها.