الثلاثاء - 22 أكتوبر 2019
الثلاثاء - 22 أكتوبر 2019

حرية التعبير بين الحريات

يقول ليوبولد سيدار سنغور (شاعر وأول رئيس للسنغال): «إن الحرية هي أن تضرب الهواء بيدك دون أن تمسّ أُنُوف الآخرين»، فحرية الإنسان ـ سواء تعلّقت بالتعبير أو بغيره ـ تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر في كرامته وخصوصيته وأمنه.

ومع أن التمييز بين الحياة «الخاصة» و«العامة» ليس دائماً بالأمر السهل، فإن ثمّة قاعدة عامة قد تفيدنا في هذا التمييز، وهي أن سلوك الأشخاص المتعلِّق بوظائفهم العامة يدخل في المجال العام؛ أمّا حياتهم الشخصية مع أسرهم وأقاربهم وأمورهم الخاصة التي يتوقعون حمايتها، فهذه يجب احترامها وعدم المساس بها، فلا ينبغي للإعلامي مثلاً أن يُصوّر مسؤولاً عاماً يتنزه في حديقة مع أسرته إلا بإذنه.

والإعلامي الذي لا يميّز بين الأمور الخاصة والعامة قد يرتكب أخطاء مهنية قاتلة في حق الناس وخصوصيتهم، ظناً منه أن من حقه نشرها.


ومع ذلك، فإن حرية التعبير يجب ألا تخضع إلا لقيدين أساسيين: الأول أن تكون لحماية حرية أخرى، والثاني أن يكون هذا التقييد ضرورياً فعلاً لحماية هذه الحرية، ومعنى هذا أنه إذا كان بالمقدورحماية الحق المستهدف بغير مساس بحرية التعبير، فإن تقييدها يصبح نوعاً من التعسُّف.. صحيح أن تقدير ما هو ضروري أمر نسبي خاضع للزمان والمكان والأحوال السائدة (أوضاع الحروب والفتن وما أشبهها مثلاً)، إلا أنه لا ينبغي التوسُّع في الضرورة أكثر مما ينبغي.

ويمكن القول إن الفرق بين حرية التعبير في دول تحترمها ودول لا تحترمها يتحدد في أن هذه الحرية هي الأصل في النوع الأول من الدول وتقييدها هو الاستثناء، والعكس صحيح، وشتان ما بين الاثنتين.

ولا يستطيع الصحافي الحصول على المعلومات الصحيحة إلا إذا أُتيحت له حرية الوصول إلى مصادرها، وإذا لم تُتح له فسيلجأ إلى التخمين والشائعات، ولك أن تتخيل أضرار ذلك على المجتمع، وإذاً، لا بد من مَنْح الصحافيين حرية الوصول إلى المعلومات ومصادر الأخبار وتمكينهم من التعبير عنها وبثها بحرية، إلا ما حُدِّد بالقانون والضوابط الأخلاقية.

وفي ظل الإعلام الرقمي المتمثل في وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها ينبغي التحلي بمسؤولية أخلاقية كبيرة حتى لا تتحول هذه الأدوات إلى مصادر للشائعات والقذف وبث الفتنة والكراهية بين الناس، فغياب هذه المسؤولية لا يقل خطورة عن غياب الحرية.
#بلا_حدود