الأربعاء - 23 أكتوبر 2019
الأربعاء - 23 أكتوبر 2019

جريمة «حسد»

وفقاً لأحداث العصر الكلاسيكي المحقوقة ولجميع مصادره الموثقة والموثوقة، عبر السطور المكتوبة أو الحقائق المنطوقة، كان أنطونيو سالييري أحد أهم الشخصيات الموسيقية المرموقة، والمعروفة بالتصرفات النبيلة والمؤدبة والخلوقة، والشهيرة بالأساليب الرقيقة والرشيقة والممشوقة، تماماً كحياة الملك والملكة أو معيشة الدوق والدوقة، فقد أبدع سالييري في مؤلفات الأوبرا وأجمل فنون الجوقة، حيث دغدغت أنغامه وجنتي الأرواح العاشقة والمعشوقة، وحرَّرت ألحانه المشاعر العتيقة كالرقاب المعتوقة، كما ربطته بالموسيقار هايدن معاني الصداقة الصدوقة، وكان أستاذاً للأسطورة بيتهوفن وأول أبواب عِلمه المطروقة، وكذلك لفرانز ليست وشوبرت وكأنه حضن المدرسة المشوقة، بينما اتصفت علاقته مع موزارت بالمشبوهة والمشؤومة والمشقوقة، والمليئة بالحقد والحسد والأحاسيس المطوقة بالغيرة الشديدة حد التهاب القلوب المحروقة، وبالتالي ارتكاب الجريمة الكاملة والكامنة والمخنوقة، لتبقى الحقيقة مدفونة تحت ملامحها المصعوقة، في سبيل إخفاء بيانات تلك النوتات المسروقة، وهكذا ارتبطت وفاة موزارت بالوقائع المسحوقة.

وصفه المحللون بالشخصية الجادة المكتظة بالغموض، رغم احتوائه على الحس الفكاهي وعوامل النهوض، في حين أصيبت أحقاده بالكثير من الكدمات والرضوض، وذلك بسبب حركة الضغينة وقلب الكراهية المقبوض، حول واقع نجاح إبداعه شبه المرفوض، مقارنة بموزارت وأدائه العبقري المعروض، بمعنى أنه كان من المفروض أن يقضي على العهد المنكوث والعقد المنقوض، وألا ينفث في الغبار المنفوض، عموماً لم يجد أحد دليلاً ضده، فقويت حجته واشتد عضده، وبات بريئاً من شبهات جريمة القتل المجهولة، ولكن استمرت الأصابع تتهم ملامحه المسؤولة عن مقتل تلك العبقرية الضخمة المهولة، وربما لهذا أصبح البعض اليوم لا يفرّق بين حقيقة اليقظة أو النوم، فقد يكذّب أغلب الأمور المعقولة ثم يصدّق أكثر الأشياء اللامعقولة.

حاول سالييري الانتحار بقطع شريان رقبته، ولعله فعل ذلك بمحض إرادته ورغبته، تحت وطأة إقراره بالذنب بينه وبين ذاته، إلا أنه لم يفلح آنذاك في إنهاء حياته.
#بلا_حدود