لا يزال جسد شيخة النحيل ممدداً على سرير مفروش بالأغطية البيضاء ومحاط بالأجهزة الطبية، عيناها مغمضتان يظن من يراها أنها نائمة، لكنها ملت مشاهدة ذوي المعاطف البيضاء والزي الموحد، فهؤلاء هم زوار شيخة منذ أحضرها السائق إلى المستشفى قبل خمسة أيام إثر إصابتها بارتفاع ضغط الدم.

ها هي مغمضة عينيها لترى ابنها الأكبر سند يقود سيارته مصطحباً معه بناتها الثلاث وابنها الأصغر في طريقهم إليها، وتصغي لاتصال ابنتها فاطمة قائلة: أمي نحن في طريقنا إليك لا تقلقي سوف نعتني بك.

فترد بحديث نجوى لا تسمعه إلا هي: أنا في انتظاركم يا أحبابي.. أخبرني الطبيب بأني كدت أصاب بجلطة لولا..

عكر مشهد شيخة المشوق، فتح عينيها على رؤية الممرضة تقيس لها درجة الحرارة، وقد سألتها:

ـ ألم يزرك أحد حتى الآن؟

شاحت شيخة بوجهها خشية أن تشعر الممرضة بحزنها، والأمل يحدوها بحضور أبنائها، فهي تجد لهم العذر بقولها: ـ سند يسافر دائماً من أجل تجارته، وفاطمة في مشكلات مع زوجها باستمرار.. سارة لن تسطيع أن تعود من بعثة الدراسة، وليلى مشغولة بالتأكيد بعروض الأزياء، أما صغيري رائد فقد دللته كثيراً، بعد وفاة زوجي، لأنه حرم من حنان والده وهو في السادسة من عمره فصرت له أباً وأماً.

تتذكر مبتسمه وتكمل:

- لا يزال رائد يرتمي في حضني، وقد تجاوز خمسة وعشرين عاماً، ثم رفعت يديها قائلة: اللهم اشفه من الإدمان، وأبعده عن درب أفسد حياته.

ظلت شيخة تنوح على فراق أبنائها إلى أن بانت خيوط شمس اليوم التالي، ثم رفضت تناول الدواء والطعام واستمرت في بكائها أياماً.. حالتها دفعت إدارة المستشفى إلى التدخل.. بحث طبيبها المعالج في سجلها الطبي إلى أن عثر على رقم هاتف ابنتها ليلى، وبعد ردها على الاتصال قال لها الطبيب:

- أنا طبيب والدتك.. هي ترقد في المشفى وبحاجة لرؤ..

ردت ليلى قائلة: لكني مشغولة.. هاك رقم أختي فاطمة سوف تحضر.

اتصل الطبيب بفاطمة وقال لها:

- والدتك مريضة وترقد في المستشفى منذ أيام وتحتاج إليك.

أجابت بصوت متقطع:

- حالتي النفسية تعيسة ولا توجد لدي سيارة فزوجي.. أرجوك خذ رقم أخي سند وسوف يحضر، أجاب سند على الاتصال، وشرح له الطبيب حالة والدته، فرد سند متأففاً: أنا في مؤتمر خارج البلد.. وقطع الخط.

وقف الطبيب حائراً فحالة شيخة تسوء، ثم عاد إلى غرفتها وسألها: هل لديك أبناء آخرون لنتصل بهم؟ أجابت الأم: نعم ابني رائد.

سارع الطبيب لتنسيق زيارة ابنها، وبالفعل حضر رائد، وما إن دخل غرفة والدته، ووقع نظره عليها حتى خارت قواه من حالتها المزرية، سارع رائد نحو أمه كطفل هارب من مطارد، وارتمى في حضنها حتى هدأت دقات قلبه.

فتحت شيخة عينيها المجهدتين.. أخيراً وقع بصرها على منظر يسعدها، ورأت ذلك المشهد الذي لم تتخيله ولكنها انتظرت صاحبه، فانهالت بقبلاتها عليه.

كان لقاؤهما دافئاً ومؤلماً، وظل رائد متشبثاً بحضنها، وهو يردد: سامحيني أمي، أعدك بالاستقامة بعد خروجي من المصحة ولن أتركك.

ثم رفع رائد رأسه، منتظراً سماع كلمات الرضا والحنان، لكن للأسف صوتها ودقات قلبها وهواء رئتيها.. كل ذلك توقف.