الاثنين - 21 أكتوبر 2019
الاثنين - 21 أكتوبر 2019

الانتحار زمن المنفلوطى والرافعى

الانتحار زمن المنفلوطى والرافعى في أوائل القرن العشرين انتحر تاجر كبير؛ كان الرجل ناجحا في تجارته وثريا؛ ويعيش حياة أسرية مستقرة وسعيدة؛ كان انتحاره حزنا على صديق له توفاه الله؛ هزَّ الحادث الكُتَّاب وشغل الصحف المصرية؛ فوجدنا مصطفى لطفى المنفلوطي يدبج مقالا مطولا في ذم الانتحار والمنتحر؛ واعتبر أنه من الآفات التي ابتلينا بها من المدنية الغربية الحديثة، وأن بيننا المولعين بتقليد الغرب حتى في الانتحار؛ رغم أن التاجر المنتحر كان مسلماً محافظاً ومتديناً؛ وبدوره كتب مصطفى صادق الرافعي ست مقالات؛ يمكن أن تُشِّكل كتاباً كاملاً في ذم الانتحار والتهكم على المنتحرين بطريقته وبأسلوبه العربي الرصين.

ومنذ حوالي ربع قرن انتحر شاب ريفي، كان باحثا في الاقتصاد؛ لأنه تقدم إلى وظيفة بدت له مرموقة ولم يقبل بها؛ وقتها صرخ والده: " قولوا أيّ شيء ولكن لا تقولوا إنه انتحر ومات كافراً؛ ابني لم يكن كافراً.

ولما اهتم بعض المحللين بالحادث؛ نظروا إليه من جانب أنه يكشف مدى تغلغل الوساطة والمحسوبية في تولى بعض الوظائف “المرموقة”؛ لكن لم يتوقف أحد أمام فعل الانتحار ذاته؛ حتى ذلك الوقت كان الانتحار حدثاً فريداً في مجتمعاتنا، وتراجع بعض الشيء التحريم الديني للانتحار، منذ أن أجاز بعض العلماء العمليات الانتحارية وتابع المجتمع الإرهابيين المتأسلمين وهم يقومون بتفجير أنفسهم لتدمير الآخرين.


الآن، لم تعد حالات الانتحار استثناء في المجتمعات العربية كافة، ربما لا يمر يوم دون أن تقع حالة أو أكثر؛ لأسباب قد تبدو لنا هينة للغاية؛ لكنها لا تكون كذلك لدى أصحابها؛ شاب يتقدم لخطبة فتاة فلا تقبل به؛ ويخرج من عندها لينهى حياته؛ فلا حياة له دونها!! وفتاة تدخل الامتحان في مادة الفيزياء بالصف الأول الثانوي، ويبدو أنها لم تجب الإجابة المرضية لها؛ ورغم أن النتيجة لم تعلن ورغم أن هناك دور ثان للامتحان إذا لم توفق؛ لكنها تقرر إنهاء حياتها والانتحار.. وهكذا.

والواضح أن الأمر بات عادياً جداً وربما لا غضاضة فيه، لذا لم تعد الصحف ووسائل الإعلام تهتم به إلا من حيث جانبه الخبري فقط.. لم تعد هذه الحالات تشغل أحداً ولا تهز وجدان المتابعين، خبر عادى في ذيل صفحة الحوادث؛ إذا وجد له مكان.. وانتهى زمن ينتفض فيه الكاتب الكبير لحادث انتحار ولم يعد المجتمع يهتز؛ ولا بات أمراً غريباً؛ وصارت كل أمانينا أن لا تتسع الحالات وتزيد لتصبح ظاهرة اجتماعية وإنسانية.. ترى ماذا لو أطلَّ علينا الآن المنفلوطي والرافعي؟.
#بلا_حدود