الأربعاء - 23 أكتوبر 2019
الأربعاء - 23 أكتوبر 2019

أمريكا: لا نريد أصدقاء بل حلفاء

مارك لافيرني
باحث متخصص في الشرق الأوسط ـ فرنسا
بشكل مفاجئ، توقفت المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في الدوحة على خلفية مقتل جندي أمريكي في كابول، ورد فعل كهذا، لن يغيّر شيئاً من الحقيقة التي تفيد بأن الولايات المتحدة تفكر بالانسحاب من أفغانستان لتتركها في أيادي حركة طالبان بعد أن احتفظت بوجود عسكري هناك لفترة طويلة خاضت خلالها سلسلة من الحروب الفاشلة ذات التكاليف الباهظة.

وفي واقع الأمر، كان من الأجدر أن يدفع مقتل الجندي إلى تسريع عملية التفاوض بدلاً من إبطائها، ولعل الأهم من ذلك هو أن هذا الانسحاب يندرج ضمن إطار تنفيذ القرار الاستراتيجي الأمريكي بالتخلي عن مهمة الدفاع عن الشرق الأوسط، التي بقيت تتكفل بها لنحو قرن من الزمان.

ويعود الاهتمام بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إلى فترة «إعلان ولسون» عام 1920 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، والذي يركز على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتأكدت مساعي الغرب لضمان الاستفادة من الثروة النفطية لدول شبه الجزيرة العربية من خلال مشاركة تلك الدول بالنشاطات الإنتاجية للشركات البريطانية عام 1928، أي قبل وقت طويل من عقد التحالف الاستراتيجي مع الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1945، وكانت الحماية الأمريكية للمنطقة تعتمد على قوى إقليمية، مثل: شاه إيران وإمبراطور إثيوبيا هايلي سيلاسي.


وتمكنت الولايات المتحدة من تحقيق عوائد ضخمة من خلال شركة النفط العربية الأمريكية «آرامكو»، إلا أنها لم تعد بحاجة لتلك الشراكة الآن، ومن ناحية أخرى، تعرضت أمريكا لعدة هزائم في الشرق الأوسط ومنيت سياستها بفشل كبير.

ومنذ نهاية الحرب الباردة عام 1991، لم يحقق الأمريكيون العوائد التي كانوا ينتظرونها من سقوط الاتحاد السوفييتي، وكان تحرير الكويت في ذلك العام متبوعاً بهجمات على الأرض الأمريكية ذاتها، ثم جاء وقت السياسات الفاشلة الأخيرة في سوريا والعراق وأفغانستان، دون أن ننسى هجمات الإرهابيين التي كانت تنطلق من ميناء عدن ضد معاقل القوات الأمريكية في المملكة العربية السعودية.

ويمكن القول إن أمريكا بدأت تتخلى عن التزاماتها في الشرق الأوسط وفق منهج جديد مبني على أساس الفكرة، التي تفيد بأن الدول ليس لها أصدقاء بل حلفاء فقط، وهو طرح مبني على أساس تحقيق المصالح والعوائد المتبادلة فحسب، وهذا يعني أن شعار «أمريكا أولاً» الذي بقي قيد التداول لفترة طويلة، قد تم استبداله بالشعار الآخر: «أمريكا وحدها».
#بلا_حدود