من أجلّ العبادات التي يغفل البعض عنها عبادة التفكر والتدبر، وهي عبادة أمر بها الله ـ سبحانه وتعالى ـ في كتابه العزيز، وأثنى فيه على المتفكرين من الناس.. قال تعالى في الآية رقم 191 من سورة آل عمران: «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، وقال عزّ وجلّ في الآية 13 من سورة الجاثية: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»؛ وكذلك حثّ الحديث الشريف على التفكر في النعم؛ فعن سيدنا عبدالله بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله»، وهو حديث بمجموع طرقه يؤخذ به، ومعناه صحيح.

كما تحدث الإمام الغزالي، أحد أشهر علماء القرن الخامس الهجري، في «كتاب التفكر» من ربع المنجيات من كتابه «إحياء علوم الدين»، بطريقة جذابة عن فضيلة التفكر، وبيان حقيقة الفكر وثمرته، وبيان مجاري الفكر، وبيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى، وأكد ـ رحمه الله ـ فيه على أن الفكر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وربط بين الفكر وثمرته قائلاً: «وأما ثمرة الفكر: فهي العلوم والأحوال والأعمال، ولكن ثمرته الخاصة العلم لا غير، نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح، فالعمل تابع الحال، والحال تابع العلم، والعلم تابع الفكر، فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر، وأنه خير من الذكر والتذكر، لأن الفكر ذكر وزيادة... فإذن التفكر أفضل من جملة الأعمال».

أختم بأن التفكر المطلوب يجب أن تكون له غايات سامية، ومن أهم ذلك ترسيخ الإيمان وتعزيزه في النفس، وزيادة المحبة لله تعالى، والشعور بنعمه العظيمة، وأسراره في خلقه، وترتيب شؤونهم، والاستعداد بالأعمال الصالحة، وحب عملها، أما التفكر بلا هدف فلا شك أنه مضيعة للوقت، وعدم انتفاع به، وفي ضوء ذلك يفهم قول الصحابي الجليل أبو الدرداء ـ رضي الله عنه: «تفكر ساعة خير من قيام ليلة»، وقول بِشر الحافي: «لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه».