قبل 20 عاماً انتعشت الآمال بخصوص جهود مكافحة السرطان، بعد أن تمكنت فرق بحثية من الولايات المتحدة الأمريكية من الكشف عن طرق جديدة من شأنها تفعيل استراتيجيات ثورية لمكافحة السرطان.

وتعتمد تلك الطرق على استهداف البروتينات التى تنتجها الخلايا السرطانية، والتي تبدو كأنها ضرورية لنمو تلك الخلايا.

فالأدوية التقليدية كالعلاجات الكيميائية، على سبيل المثال، تعتمد على تسميم الخلايا، إذ تدخل تلك الأدوية إلى الدماء عبر حقنها في صورة محاليل أو تناولها في هيئة أقراص، وتقوم باستهداف الخلايا سريعة النمو كالسرطان وتقتلها عبر عملية تسميم نوياتها، ولكن لتلك الأدوية العديد والعديد من الآثار الجانبية شديدة القسوة، إذ تقوم بتسميم خلايا جدران المعدة أيضاً وبعض الخلايا الرئوية والخلايا المسؤولة عن إنبات الشعر والأظافر وغيرها من الخلايا الأخرى السليمة، ما قد ينجم عنه وفاة المريض.

لذا، حين ظهرت الاستراتيجية الجديدة لمكافحة السرطان عبر استهداف البروتينات التي تغذي الخلايا السرطانية، أو البروتينات المسؤولة عن نشوء السرطان وتطوره، عمت الفرحة المجتمع العلمي بأسره، وتزايدت الأبحاث في تلك الاتجاهات، وأنفقت مئات الملايين من الدولارات على تلك الأدوية، أملاً في التوصل إلى علاج يقضي على الخلايا السرطانية وحدها، وبالطبع حصد المكاسب المليارية إذا ما تم ابتكار ذلك الدواء.

غير أن دراسة جديدة نُشرت نتائجها في دورية ذائعة الصيت وذات موثوقية عالية «ساينس ترانسيشنال مديسن»، تقول إن العلماء ربما يكونون قد بالغوا في الآمال المنعقدة على تلك الاستراتيجية، إذ إنهم فشلوا بشكل كبير خلال العشرين عاماً الماضية في نقل تلك العلاجات من مرحلة التجارب السريرية إلى مرحلة الابتكار والتصنيع.

وعلقت تلك الدراسة ذلك الفشل على شماعة «متابعة الأهداف الخاطئة»، إذ يقوم العلماء والباحثون في المعامل بدراسة بروتينات ليست مسؤولة عن السرطان من الأساس، وبالتالي تصميم أدوية لا يمكن أن تؤدي للقضاء عليه.

بدأ الاكتشاف بصدفة نادرة، كان عالم أحياء السرطان في مختبر كولد سبرينغ هاربور بولاية نيويورك، جايسون شيلتزر، يقوم باختبار جديد لدواء يعالج سرطان الثدي الثلاثي السلبي، فوجد أن الخلايا السرطانية التي تفرز بروتيناً يسمى MELK تجعل السرطان متوحشاً وتقلل من فرص بقاء المريضات على قيد الحياة.

وكانت دراسات سابقة قد أشارت بالفعل إلى أن ذلك البروتين «ضروري لانتشار سرطان الثدي». وبالفعل كان الباحثون يختبرون عقاراً يستهدف ذلك البروتين ويمنع إفرازه من الأساس.

إلا أن شيلتزر وفريقه البحثي قاموا باستخدام تقنية كريسبر، وهي تقنية تقوم بتحرير الجينات وتعديلها، لاقتلاع الجين الذي يسبب إفراز ذلك البروتين، إلا أن قدرة الخلايا السرطانية على التكاثر لم تتوقف!

ويقول شيلتزر في تصريحات خاصة لـ «الرؤية» إن المفترض عدم حدوث ذلك الأمر، فالأبحاث العلمية السابقة تؤكد أن توقيف عمل ذلك البروتين قد يقضي على خلايا السرطان «إلا أن تلك الخلايا لم تتوقف عن التكاثر على الإطلاق حين أوقفنا الأساس الجيني الذي يفرز من خلاله البروتين.. كانت تلك مفاجأة مذهلة».

بعد إعادة التجربة في مجموعة أخرى من الخلايا، تكرر الأمر ذاته، إذ إن تعديل الجينات بهدف منع خلايا السرطان من التكاثر باء بالفشل الكامل، «وفي تلك اللحظة تساءلنا عن صحة الفرضية القائلة بأن ذلك البروتين يوقف عمل سرطان الثدي وبدأنا نتحرى الدقة أكثر فأكثر»، يقول جايسون شيلتزر لـ «الرؤية».

قام الفريق بتوسيع التجربة لتشمل عشرة أدوية كاملة تستهدف مجموعة مختلفة من البروتينات التي تقول الأبحاث العلمية إنها لازمة لإبقاء السرطان على قيد الحياة. تلك الأدوية تختبر بالفعل وتشترك مع بعضها البعض في كونها «في مرحلة التجارب السريرية المتقدمة».

ومع كل دواء يستهدف بروتيناً يفترض أنه ضروري لبقاء الخلايا السرطانية، يجد الباحثون في فريق شيلتزر أن القضاء على ذلك البروتين «لا يقضي على السرطان.. ولا حتى يوقف نموه أو يحد من انتشاره»، وهي نتيجة يصفها شيلتزر بـ «الصادمة» وقد تغير مجرى أبحاث العقاقير المضادة للسرطان.

لكن.. كيف يمكن أن يحدث ذلك الأمر؟ هل يمكن أن تكون كل التجارب العلمية والافتراضات السابقة خاطئة إلى هذه الدرجة؟ يقول شيلتزر إن الأمر ليس كذلك على وجه الدقة، فالبروتينات «تساعد بالفعل على انتشار الخلايا السرطانية إلا أنها تعمل ضمن منظومة كاملة مشكّلة ترساً في صندوق تروس كبير».

في حالة سرطان الثدي الثلاثي السلبي، على سبيل المثال، يعمل بروتين MELk جنباً إلى جنب مع بروتين آخر يسمى CDK11B مع مجموعة أخرى «مجهولة» من البروتينات لتشفير الخلايا السرطانية وإكسابها القدرة على الانقسام والانتشار، وبالتالي فاستهداف أحدها لا يمكن أن يكون مجدياً على الإطلاق.

يقول شيلتزر إن أدوية السرطان الموجودة حالياً في طور التجارب السريرية لا تعمل كما يعتقد الأطباء، إذ «لا تؤدي في النهاية إلى مساعدة مرضى السرطان»، مشيراً إلى أن 97 في المئة من الأدوية التي تم اختبارها بين عامي 2000 و2015 لم تحصل على موافقات من منظمة الغذاء والدواء الأمريكية «وهذا يعني أن هناك جهوداً وأموالاً مهدرة في ذلك الاتجاه».

ويشير الباحث إلى أن العمل على تحسين تقنيات الطب الشخصي ربما يكون أفضل، إذ إن كل حالة مصابة بالسرطان تختلف بشكل جوهري عن الحالات الأخرى.

يرى شيلتزر أن مستقبل الأدوية التي تستهدف البروتينات «أصبح في مهب الريح»، مشيراً إلى أن الحل يكمن إما في تطوير العلاجات الحالية، أو في تقنيات العلاج المناعي، أو تطوير أساليب الطب الشخصي.