سجلت الولايات المتحدة تطوراً عالمياً حقيقياً في صيف عام 2018 عندما أصبحت أكبر منتج للنفط الخام، لتتجاوز بذلك روسيا والمملكة العربية السعودية. ومنذ عام 1973 لم تكن الولايات المتحدة تقود رابطة منتجي النفط، أما الآن فإنها تتربع على قمة التصنيف من جديد وسوف تواصل تزويد الأسواق بالغالبية العظمى من كميات النفط خلال العقد المقبل، وفقاً لتوقعات الوكالة الدولية للطاقة. وبات في وسعنا الآن أن نقول للعالم: أهلاً بكم في الولايات المتحدة البترولية.

يعتبر هذا التطور تحوّلاً كبيراً في قيمة الثروات الوطنية في الولايات المتحدة، وتقف وراءه خبرات تكنولوجية وابتكارات عظيمة في أساليب استخراج النفط والغاز من الصخور. وقبل أكثر بقليل من عقد من الزمان، لم تكن الولايات المتحدة تنتج النفط الصخري على الإطلاق، وكانت تنتج ما يقارب خمسة ملايين برميل من النفط يومياً من الآبار التقليدية. واليوم أصبحت تنتج 12.4 مليون برميل يومياً من النفط الخام المستخرج من الطين المتحجر shale rock. وتنتج ولاية تكساس وحدها الآن أكثر من مجمل ما تنتجه أي دولة عضو في منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) فيما عدا المملكة العربية السعودية.

قبل عقد من الزمان، كان من المعتاد أن نرى السياسيين الأمريكيين وهم يعبّرون عن قلقهم البالغ من اعتماد أمريكا على النفط المستورد، حتى الرئيس جورج بوش الابن الذي كان هو ذاته مديراً تنفيذياً لشركة منتجة للنفط كان يرى أن هذا الوضع يمثل «مشكلة خطيرة». وبالعودة إلى عام 2006، قال الرئيس بوش في ذلك الوقت بكل بساطة: «أمريكا دولة مدمنة على النفط الذي غالباً ما يتم استيراده من مناطق غير مستقرة في العالم».

اليوم أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم. ولقد تفوقت بالفعل على روسيا والمملكة العربية السعودية بمقياس سرعة الإنتاج، ومن المقرر أن تتفوق على روسيا بمقياس حجم الصادرات العالمية بحلول عام 2024 وربما تتفوق على المملكة العربية السعودية أيضاً، وفقاً لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة التي يوجد مقرها في باريس.

وردت في تقرير صادر عن الوكالة حول تطور الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة الجملة التالية: «إن القصة التي تشرح الطريقة التي حوّلت الولايات المتحدة نفسها بموجبها إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط خلال أقل من عقد واحد، لا سابق لها على الإطلاق».

وأشارت الوكالة في هذا التقرير إلى أن الولايات المتحدة سوف تستأثر بإنتاج ما يقارب 70 في المئة من النفط العالمي بحلول عام 2024. وهناك دول سوف يكون لها شأن في إنتاج النفط وعرض النفط على الخط مثل البرازيل والعراق والنرويج والإمارات وألمانيا وغويّانا. وستتمكن الولايات المتحدة من التفوق على تلك البلدان الخمسة من حيث حجم النفط المعروض.

تعتمد هذه التوقعات بشكل كبير على نتائج الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة. وكان الرئيس دونالد ترامب قد عبّر عن رؤاه الواضحة لثورة النفط الصخري في أمريكا، فهو يريد زيادة التنقيب والحفر واستخراج المزيد من النفط والغاز الطبيعي. ومن ناحية أخرى، عبّر عدد من مترشحي الحزب الديمقراطي عن شكوكهم في طفرة النفط والغاز الأمريكية، وأعلنوا أن التكنولوجيات التي تقف وراءها والمعروفة باسم «التكسير» fracking ذات أضرار كبيرة على البيئة، في حين تدعو هذه الفئة إلى تخفيض الاعتماد على حرق المركبات الهيدروكربونية لصالح تطوير مصادر الطاقات المتجددة.

وإذا فاز المترشحان الديمقراطيان بيرني ساندرز وإليزابيت وارين في انتخابات الرئاسة المقبلة، يمكن للمرء أن يتوقع حدوث تباطؤ في طفرة النفط والغاز الأمريكية؛ أما لو حقق الديمقراطي الأوفر حظاً جو بايدن الفوز، فسوف يعمل على تحجيم هذه الصناعة في إطار السعي لتنفيذ المبادرات التي يتمسك بها الحزب الديمقراطي لتخفيض الانبعاثات الكربونية.

لننظر إلى ما هو أبعد من السياسة، فما الذي تعنيه طفرة النفط والغاز الأمريكية من الناحية الجيوسياسية؟ تقضي إحدى الحجج كثيرة التداول في الخطاب السياسي الأمريكي بأن الاستقلالية الأمريكية في مصادر الطاقة ستجعل أمريكا بلداً أقل اعتماداً على منطقة الشرق الأوسط، وهي كباقي الحجج التي صمّت آذاننا، حجة عامرة بالعيوب. عندما سبق للرئيس بوش الابن القول بأن اعتماد أمريكا على النفط المستورد هو «مشكلة خطيرة»، لم تكن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كامل على نفط الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، كانت الولايات المتحدة تستورد من نفط كندا وأمريكا اللاتينية، وما زالت، أكثر مما تستورد من نفط الشرق الأوسط.

لو نظرنا إلى الدول العشر الأكثر تزويداً لأمريكا بالنفط اليوم، لوجدنا أن من بينها دولتين فقط من منطقة الشرق الأوسط هما المملكة العربية السعودية والعراق. وفي الحقيقة، لا تصدر الإمارات العربية المتحدة النفط على الإطلاق إلى الولايات المتحدة في الوقت الذي تستورد فيه من أمريكا ما قيمته 20 مليار دولار سنوياً من البضائع. وفي الوقت الذي يعبّر فيه الرئيس ترامب عن قلقه من عجز الموازين التجارية الأمريكية مع العالم، فلقد حقق فائضها التجاري مع الإمارات العربية المتحدة 14.5 مليار دولار، وفقاً لأرقام صادرة عن سفارة الإمارات في واشنطن. وهذا يعني بكلمة أخرى أن مصالح الولايات المتحدة في منطقة الخليج تطورت أكثر من مصالحها المتعلقة بالنفط.

وعندما نطق الرئيس بوش الابن بعبارة «أمريكا مدمنة على النفط»، كان عليه أن يضيف إليها قوله: «وكذلك حال بقية العالم». ومن دون النفط والغاز الطبيعي فإن حياتنا المعاصرة سوف تأتي نهايتها. والمجال الواضح لاستخدام النفط والغاز هو بالطبع في النقل وتوليد الطاقة الكهربائية. ولولا النفط لتوقفت طائراتنا النفاثة عن التحليق وكذلك سياراتنا وسفننا، ولانطفأت الأضواء في بيوتنا ومدننا. وربما كانت أهمية السلع التي يتم إنتاجها من النفط «البتروكيماويات» أقل وضوحاً، إلا أن الكثير من الأجهزة والأدوات الطبية مصنوعة منها، كما أن البلاستيك أصبح يستخدم في كل الصناعات الأخرى تقريباً. ومن المشتقات البترولية يتم تحضير مستحضرات التجميل والسجاد الاصطناعي والأسمدة ومبيدات الحشرات والأعشاب الضارة، وكلها من المواد الضرورية لاستمرار السلسلة الغذائية العالمية. وخلاصة الأمر أن الطلب على النفط الأمريكي وبقية مصادره العالمية سوف يبقى ثابتاً.