تخيل أنك ترغب في شراء هدية للوالد بمناسبة عيد الأب، بالبحث عبر المتاجر الإلكترونية تجد قميصاً مناسباً بالألوان التي يفضلها، وتقوم بشرائه ليصل إلى منزلك، بعد ذلك عندما تذهب لنفس المتجر الإلكتروني لشراء هدية لزوجتك ستندهش من أنه يقدم لك العديد من الاقتراحات الخاصة بقمصان الرجال بمقاسات وألوان مختلفة. ما حدث ببساطة أن الخوارزمية التي تتحكم في الاقتراحات لم تتمكن من التمييز بين عملية شراء هدفها الوالد وعملية أخرى للزوجة، ولكن هذا الأمر يبدأ في الاختفاء مع دخول الذكاء الاصطناعي في اللعبة.

الشابة الأمريكية ديان كينج (27 عاماً) أسست عام 2016 شركة برينيفي لدمج قوة الذكاء الاصطناعي في متاجر البيع بالتجزئة الإلكترونية، ويستخدم النظام الإلكتروني ما يسمى بالبيانات المؤقتة، وهي البيانات التي تتغير مع الزمن مثل حالة الطقس، وضع المرور وسلوك المستخدم، ثم تقوم بربط هذه المعلومات مع العديد من المواقع لمساعدة محال البيع على تحقيق فهم أفضل، وبالتالي استهداف أفضل للمستهلك، وتقول كينج: «تفاجأت كثيراً بعدم وجود مثل هذه الأنظمة في محال البيع الإلكترونية، ففي نهاية المطاف سلوك المستخدم هذا الأسبوع لن يكون نفس سلوكه الأسبوع الماضي».

ولكن متاجر البيع بالتجزئة هي مجرد البداية لشركة برينفي، حيث تقول كينج إن ربط البيانات الزمنية مع الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتنبأ بالنتائج بطريقة مذهلة وفي العديد من الأعمال المختلفة.

قبل أن تصل كينج إلى النقطة الحالية، قامت بالتعاون مع فريقها المكون من ثمانية أشخاص ببناء أداة تقنية قوية للغاية، ففي الوضع التقليدي يستند تحليل سلوك العملاء إلى تصرفاتهم السابقة ولا تتطرق إلى توقع التصرفات المستقبلية، ولكن شركة برينفي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى استنتاجات من نشاط المستخدم على شبكة الإنترنت، على سبيل المثال إذا كنت تستخدم تطبيق Wag الذي يتعلق بالحيوانات الأليفة وتنتقل بعدها إلى موقع PetSmart المختص أيضاً في مستلزمات الحيوانات الأليفة مرة كل شهر، تتنبأ الأداة بأنك تمتلك حيواناً أليفاً، وأنك تشتري مستلزماته وأطعمته في الأسبوع الأول من الشهر. وعندها تبدأ الأداة بتزويدك بالمعلومات والاقتراحات.

تتعامل برينفي مع العديد من العلامات التجارية الكبرى، وتتمتع بحق الوصول إلى بيانات أنشطة العملاء عبر مواقع تلك الشركات، وتقوم الأدوات التكنولوجية التي ابتكرتها الشركة بالتنبؤ بسلوك العميل المستقبلي، وهو مستوى من التطور لا يمكن لتلك الشركات الشهيرة الوصول إليه داخلياً دون توظيف فريق شامل لعلوم البيانات.

بطبيعة الحال، تؤكد كينج أن شركتها لا تشارك بيانات المستخدم التي تصل إليها مع أطراف خارجية مطلقاً، وأنهم لا يقومون بممارسات غير شرعية مثل بيع تلك البيانات، إلا أن المخاوف المرتبطة بالخصوصية أمر لا يمكن تجاهله، وهو الأمر الذي يعلق عليه أحد خبراء الأمن والخصوصية بالقول: «لكي تتبنأ بسلوك الناس يجب أولاً أن تعرف الكثير عنهم، وكلما زادت الأطر الأخلاقية التي تضعها بشأن قضايا الخصوصية قلت إمكانات التوقع والتنبؤ».

ولكن على الرغم من هذه المخاوف، إلا أن كينج تركز على الترويج للجانب المشرق من البيانات الضخمة، فعلى سبيل المثال تتمكن الخوارزميات التي طورتها الشركة من الكشف عن عمليات الاحتيال لأن باستطاعتها اكتشاف النشاط المشبوه، كما يمكن تطبيق هذه التكنولوجيا في مجال الزراعة، حيث تستخدم بيانات أحوال الطقس في زيادة غلة المحاصيل وتحسين عمليات الزراعة، والموضوع كما تلخصه الباحثة الشابة هو أن «المكسب الرئيس هو أن العديد من الصناعات المختلفة يمكنها الاستفادة الفورية من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتاحة، سهلة الاستخدام، القادرة على التكيف في تحقيق أهدافها الصناعية والمالية وبأعلى كفاءة ممكنة».

لكن ما تفعله شركة برينفي ليس هو التطور الوحيد في هذا المجال، حيث يتم توظيف تقنيات التعلم العميق وتعلم الآلة على نطاق واسع، إضافة إلى الاستفادة من انتشار الهواتف المحمولة للعمل على تحسين تجربة المستهلك عبر الإنترنت في العديد من المواقع والعلامات التجارية المختلفة، وربما يكون أبرز قطاعين يشهدان تطوراً كبيراً هما البحث وخدمة العملاء، حيث يتم التعامل معهما حالياً من خلال برامج كمبيوتر تتعلم أداء المهام المعقدة دون إشراف نشط مباشر من الإنسان.

إذا تناولنا عمليات البحث، ففي الوضع التقليدي تستخدم محركات البحث مثل غوغل «خوارزميات» تقوم بالتقاط سلسلة من الكلمات المفتاحية لإحضار نتائج أقرب ما يكون إلى ما يريده الباحث، وعلى الرغم من أن هذا النهج مفيد تماماً للبحث العادي عن الأخبار والموضوعات، إلا أنه ليس مثالياً للمتسوقين عبر الإنترنت، ولكن مع التطور في مجال الذكاء الاصطناعي أصبح البحث عبر الإنترنت أكثر «ذكاء» بكثير، إضافة إلى تقنيات «البحث المرئي» التي تجد رواجاً كبيراً بين تجار التجزئة.

تستخدم شركات البيع بالتجزئة مزيجاً من أدوات التحليل والتعلم الآلي والتعلم العميق والتعرف إلى الوجه للمنافسة في الأعمال التجارية عبر الإنترنت، وبعض تلك التقنيات يستخدم في السيارات ذاتية القيادة على سبيل المثال، كما تستخدم شركة أمازون جميع هذه التقنيات في متاجرها للبيع بالتجزئة Amazon Go، وقد بدأت باستخدامها في متجر مدينة سياتل، ولكن الشركة لديها خطط للتوسع في هذا الاتجاه.

أما البحث المرئي، فأحد أهم أمثلته هو Pinterest Lens، وهذه الخدمة التي تم إطلاقها أواخر عام 2016 تتيح للمستهلك توجيه كاميرا الهاتف المحمول إلى أي سلعة، ثم إجراء بحث مرئي عبر الإنترنت، وهو ما يعني أن هذه الخدمة تتجاوز الكلمات لتشمل الصور الموجودة في العالم الحقيقي.

أما التطور الآخر في مجال البحث عبر الإنترنت، فيستخدم أسلوب البرمجة اللغوية العصبية NLP وهذا العلم يبحث في الطريقة التي يفكر بها البشر (العصبية)، وأنماط اللغة التي يستخدمونها (اللغوية)، والسلوك المتوقع (البرمجة) وكيف تتفاعل هذه العمليات جميعاً وتؤثر في البشر. وبدأ بعض تجار التجزئة بالفعل في استخدام هذه الأنماط التي تمكن الكمبيوتر من فهم الكلام البشري والبحث والسماح للمتسوقين بالبحث عن العناصر بطريقة تشبه طلب المساعدة من أحد العمال داخل المتجر شخصياً.

وخلال السنوات الأخيرة، استطاعت العديد من الشركات توسيع نطاق أعمالها وتحقيق نجاحات كبيرة عبر تطبيق هذه التقنيات.

أما المجال الثاني الذي شهد تطوراً هائلاً، فهو خدمة العملاء التي تتم حالياً بطريقة آلية، حيث كشف تقرير حديث صادر عن شركة جوبيتر للأبحاث أن تكنولوجيا «المحاور الآلي» Chatbots ستعيد تعريف مجال خدمة العملاء بأكمله، وتوقع أن توفر هذه التقنية أكثر من ثمانية مليارات دولار من التكاليف التشغيلية بحلول عام 2022، كما أظهرت دراسة أخرى أجرتها شركة IBM أن 65 في المئة من جيل الألفية الشاب يفضل التعامل مع الروبوت بدلاً من الحوار مع ممثل حقيقي لخدمة العملاء.