الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الذي تعيشه تونس اليوم مختلف كثيراً عن ذلك الذي عاشته البلاد في عام 2014، ففي حين كانت الانتخابات الماضية موسومة باستقطاب ثنائي حاد، بين مشروع الدولة ومشروع الهوية، إلا أن الاصطفافات يومها كانت واضحة ونوايا التصويت كانت يسيرة التوقع والتبين.

مقارنة بسيطة بين انتخابات عام 2014 وانتخابات اليوم تكفي للتعرف إلى ما ينتاب المواطن التونسي من حيرة.. في انتخابات 2014، كان التنافس، خاصة في الدور الثاني، بين مشروع الدولة الوطنية الذي مثله الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، ومشروع الإسلام السياسي الذي مثله الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، المرشح غير المعلن لحركة النهضة وأنصارها، لكن في الوقت الحالي لا وجود لملامح محددة للاختيار ولا وجود لمعايير أو اصطفافات.

اليوم يدخل الناخب التونسي مكاتب الاقتراع، بعقل مشتت وقرار مؤجل، لأن المشهد ليس فقط موسوماً بالضبابية جراء كثرة المرشحين (26 مشرحاً)، بل أيضاً تبعاً لتداخل المشاريع السياسية والأيديولوجية وتناقضها.

تدخل تونس انتخاباتها منقسمة بين مشاريع شعبوية، غير ممكنة التحقق، ومشاريع قريبة من السلطة الراهنة، التي راكمت شتى ضروب الفشل، ومشاريع أيديولوجية إسلامية قد تضرب مستقبل تونس وعراقة دولتها في مقتل.

ويقع الناخب التونسي أمام ضرورة الاختيار بين مشاريع شعوبية (إجبار فرنسا على الاعتذار أو تأميم الثروات الطبيعية أو غيرها) وبين مشاريع عقائدية اختبرها العالم وأثبتت عدم جدواها (مشاريع الإخوان المسلمين التي جُربت في أكثر من دولة عربية إسلامية، وقوضت بنية الدولة فيها)، أو مشاريع مستمدة من السلطة القائمة (التي أثبتت عدم قدرتها على حل القضايا التنموية والاقتصادية)، ما يعني أن المناخ السياسي التونسي برمته لم ينجح في إفراز مرشحين يقدمون برامج وبدائل توفق بين المشاغل الاقتصادية واحترام الدولة القائمة بوصفها تعبيراً سياسياً حديثاً.

في مواجهة رمضاء الفشل أو نار الشعبوية والأيديولوجيا سيختار التونسي المرشح الأقل سوءاً، وهذا سيحسم من خلال الاقتراب من المشاغل الشعبية ومن تقديم البرامج القابلة للتحقق.

تقول القاعدة السياسية الفرنسية «نختار في الدور الأول، ونبعد في الدور الثاني»، وعلى هذا الأساس يرجح أن تنجح المشاريع الشعوبية والأيديولوجية (من قبيل نبيل القروي المرشح المستقل أو عبدالفتاح مورو مرشح النهضة) في التسلل إلى الدور الثاني تبعاً لمحددات إعلامية أو عقائدية أو غيرها، لكن الدور الثاني سيفرض إبعادها بعد أن تصطف كل القوى الوسطية والحداثية واليسارية حول مرشح يقطع مع النار ومع الرمضاء، لتنتصر لتونس وإن اختارت مرشحاً أقل سوءاً.