عمد الرئيس ترامب إلى عزل مستشاره المتشدد للأمن القومي جون بولتون، بسبب خلافات حادة نشأت بينهما في قضايا متعلقة بالسياسة الخارجية حول أفغانستان وإيران وكوريا الشمالية، وربما يوحي ذلك بأن سياسة ممارسة أقصى الضغوط الممكنة على إيران بلغت حدّها الأقصى، وقد تؤشّر هذه الخطوة أيضاً إلى أن عصر الحرب على الإرهاب قد أشرف على نهايته.

ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001 ونحن نعيش على وقع إرهاصات تلك الحرب، وكان وقعها في الشرق الأوسط أكثر عنفاً بالرغم من أنها وصلت إلى بقاع الأرض كافة، وتركت أبلغ الأثر في حياة الناس حتى في منطقة شرق آسيا البعيدة.

وكانت الطائرة المسيّرة من أكثر أنواع الأسلحة غلاء وتطوراً من النواحي التكنولوجية، عندما تمكنت الولايات المتحدة من تعقب مقاتلي حركة طالبان وتنظيم القاعدة في جبال أفغانستان، والآن، أصبحت الطائرات المسيّرة من السلع العادية الرخيصة في الصين، حيث انخفض سعر بعض أنواعها إلى أقل من 50 دولاراً، وكان للمبالغ والجهود الضخمة التي تم تسخيرها في إطار الحرب على الإرهاب، أن تُحدث تغييراً كبيراً في حياة البشر، نحو الأفضل أو الأسوأ.

وكان بولتون أحد كبار روّاد عصر الحرب على الإرهاب بسبب ميله القوي للخيارات والتطبيقات العسكرية وتغيير الأنظمة السياسية القائمة في العديد من الدول المناوئة لسياسات الولايات المتحدة، وكانت وصفته البسيطة لحل المشكلات العالقة والتي تتجسّد بعبارة واحدة «اقصفوهم ودمّروهم»، تمثّل الطابع الذي ميّز جميع مظاهر الحياة إبّان عصر الحرب على الإرهاب.

واتضح فيما بعد أن الهدف الأكثر صعوبة وتعقيداً بالنسبة لصقور ومتشددي الإدارات الأمريكية هو النظام الإيراني، الذي أثبت مرونته ومناعته وتمكّن من النجاة من طوق العقوبات الاقتصادية والمواقف العدائية الأمريكية لفترة تربو على أربعة عقود، وكان تغيير النظام القائم في إيران باستخدام أسلحة فعّالة متنوعة مثل العقوبات والصواريخ، يمثل خياراً عبثياً لا قيمة عملية له حتى بالنسبة لغلاة الحزب الجمهوري الأمريكي، ولم يكن مقبولاً كأحد بنود السياسة الخارجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة، إلا أن ترامب فضّل احتضان بولتون بقوة ليكون عضواً فاعلاً في إدارته، وسارع بولتون لقيادة الجهود الأمريكية والعالم أجمع باتجاه التصعيد إلى أن بلغ احتمال نشوب الحرب ضد إيران مداه الأقصى، قبل أن يغيّر ترامب موقفه ويعمد إلى عزله.

ودعونا نتذكر من جديد تاريخ 11 سبتمبر عندما تناقلت وكالات الأنباء والصحافة العالمية على أوسع نطاق خبر استقالة بولتون، حيث دعا الإرهابي أيمن الظاهري من مخبئه إلى الجهاد في كشمير ضد الهند، وهي الدعوة التي لم يسمع بها كثيرون ولم ينتبهوا إليها، ولا شك في أن الإرهاب سوف يواصل تقدمه في بعض الأماكن ولبعض الأسباب، إلا أن الحرب على الإرهاب لن تمثل بعد الآن سياسة عالمية، ويعتبر عزل بولتون نموذجاً يوحي بإغلاق العقل الذي يدير الحرب على الإرهاب.