ذاتَ صباح كنتُ أنتظِر قِطارًا في محطة «بنج إيست» للذهاب إلى محطة فيكتوريا الواقعة في قلب لندن والقريبة من وستمنستر.. كانَ البردُ قارسًا والمطرُ مُنْهَمِرًا، مع رِياح صَرْصَر عاتية، وكنتُ لا أفكِّر في شيء سوى مراقبة وُصول القِطار والمحافظة على توازُن مِظَلَّتي الْـمَطَرِيَّة التي تدفعها الرِّيَاحُ ذاتَ اليمين وذاتَ الشِّمال.. كنتُ أرتدي ملابسَ عادية؛ لأنِّي لحظةَ خروجي من البيت بَدَا لي الطقسُ عاديًّا: لا مَطَرَ ولا بَرْدَ، لكنَّكَ في لندن تخرج من منزلك في جَوٍّ عاديٍّ نسبيًّا ثُمَّ يَتَقَلَّب الجوُّ وتَجِد نفسَكَ في طَقْس مَطِير وَجَوٍّ عَاتٍ مُكْفَهِرٍّ.، وفي لندن إذَا لَمْ تَرَ الضَّبابَ فاعْلَم أنَّه مقبل لا محالة؛ لذلك تجد سكانَ هذه المدينة يحتاطون للطقس قبل الخروج من منازلهم.

وبينما كنتُ في تلك الحال من التَّوتُّر والقُشَعْرِيرة الناتجة من حالة الطقس القُلَّب، فإذَا بعجوز تقترب من البَوَّابَة التي أَقِف عندها، وهي تَتَوَكَّأ على عُكَّاز في إحدى يَدَيها، وتحمل بالأخرى جريدةً مَطْوِيَّة ومِظَلَّةً مَطَرِيَّة ترفعها فوق رأسها للوقاية من المطر..قلتُ في نفسي: أعرفُ مَدَى حاجة العجوز إلى العُكَّاز والمظلة، ولكن مَاذَا تفعل بالجريدة؟

كانتْ تلك خطرات سريعة لا أدري كيف وقَعَت ببالي وأنَا في تلك الحال من القَلَق والخوف مِن أن يَتَأخَّر القطارُ عن موعده، رغم أنَّ ذلك نادرُ الوقوع هُنَا حيث تُحْتَرَم المواعيدُ إلى درجة التقديس.

وما إن وَصَلَت العجوز إلى البوَّابَة التي كنتُ أَقِفُ عندها في انتظار القطار حتَّى وقَفَتْ وأخذت تقرأ بِنَهَمٍ عناوينَ الجريدة الرئيسية تمهيدًا – فيما يبدو – لقراءتها في القطار كعادة الإنجليز.

قلتُ: يَا إلهي! لقد بَدَأَتْ تقرأُ، كيف يكون لها مِزاجٌ أوْ بالٌ للقراءة أو حتَّى التفكير فيها في مثل هذا الطقس العنيف، وفي هذا الوقت الضَّيِّق الذي كُنَّا ننتظر فيه مَجيءَ القِطار كُلَّ لحظة أو دقيقة!!، وهذا لو كانت في صِحَّتِها وعِزِّ شبابها، فكيفَ وقد بَلَغَتْ من الكِبَر عُتِيًّا!؟

ثُمَّ إنْ هي إلا لَحَظاتٌ حَتَّى أقبلَ القِطارُ ودخلتُ أنا والعجوز في المقطورة ذاتها، ولم تَكَدْ تَسْتَقِرُّ جالسةً حتَّى فَتَحَت جريدتَها وأخَذَتْ تَقرؤُها بشهيَّة، أمَّا أنَا فأعترف أنِّي لو كان عندي امتحانٌ أخشى الرُّسوبَ فيه، فلن أراجِعَ شيئًا يَتَعَلَّق به، بل لن أفَكِّر فيه في مثل تلك الحال.