لم يعد هناك فاصل بين الشعوب والحكومات في دولنا العربية لجهة التفاعل اليومي مع الأحداث.. لقد هدّمت أو آلت للسقوط جدران الفصل، ومع ذلك لا تزال العزلة قائمة في الأنفس الشُّحن التي يأخذها الحنين إلى عدالة عمرية تأتي عابرة على صعيد خطاب الرجاء والانتظار، وتبدو أكثر وضوحا في أيام ومواسم بعينها.

علينا التأكيد هنا أن تهديم جدران العزلة ينطلق من ذات واعية مؤمنه بالتغيير الفعلي، حيث مواقف الحضور تجلي الكرامات الكبرى بالمعنى المدني الحضارة، وليس بسطوة روحانيات الصوفية حيث التثوير الإيماني، لحظة ابتكار الأمة لوسائل الحماية من غزو ظاهر أو باطن، أو محاولتها التجدد ضمن دوائر الخوف رفقة أساطير مؤسسة لثقافة التراجع والانبطاح عند مفترق طرق وعرة، انتهت بنا إلى انشاء حاضرنا على شفا جرف هار، وفي لحظة السقوط تخطًّفتْنا الأمم، ومن نجا منا غلبت عليه شقوته فانحاز إلى ركن بعيد، معتقدا أنه في حماية الهروب من الواقع, حالنا تلك تقر الأمر الآتي بالشواهد والوقائع، وهو: لم تعد مكابرة الحكام مجدية ولا تطاول العامة في محاولة للانتقام ذات جدوى، لأن غياب هيبة السلطة أدى في أزمنة الفوضى إلى تراجع سلطة الدولة، ومن ثم إلى نهايتها.. ونحن اليوم نتجه نحو إزالة ما تبقى من سقف الحماية. وينتابنا احساس داخلي على المستوى الجماعي أننا لم نعد في حاجة إليها.

الحالة المشار إليها انفا آنية من تسييس العامة أولا، وتحويل السياسيين إلى تبَّعٍ ثانيا، ومهمة أولئك السياسيين اليوم تقوم على قناعة مفادها: تكريس عوالم افتراضية على حساب الواقع، ظاهرها مدّ جسور مع العامة لتحقيق أهداف آنية ومستقبليَّة، وباطنها ركوب موجة الإعلام الجديد، الذي تساوي عابث من غدٍ، ومرَّوج لسياسة التغيير منذ نهاية العقد من القرن الواحد والعشرين.

وثنيّة الإعلام الجديد تشغلنا عن الحقائق، ومنها: أن سقوط جدران العزلة بين الشعوب العربية والحكام لا يعني انتهاء زمن العزلة، لأنه تعمق في الأنفس حتى أصبح كثيرا من حكامنا متساوٍ في الوجود والعدم، وغدت الشعوب غارقة في حالة تقفِّي آثار القطيع.. وفي الحالتين نحن في بعض دولنا بلا قادة يحملون صفات الزعامة المطلوبة بالمعنى العصري والديمقراطي، فهل تتساوى عندها أن نكون منتمين لمؤسسات الدولة أو في حظائر الحيوانات او في مرابض بعضها