بقلم: عمر القحطاني مشارك في برنامج القيادات الإعلامية العربية ـ السعودية

«خلّك رجّال».. كلمةٌ يتلقّاها الأطفال داخل المجالس وفي المناسبات العامة، وكأن الرجّال الكبير هو المثل الوحيد للأخلاقيات الإيجابية والمهارات الحياتية.

ونغفل - من غير أن نشعر - أن ذلك الطفل الذي نأمره أن يكون رجلاً في تصرفاته، يمتلك كثيراً من الصفات التي تميّزه عن الكبار، بل يفعل ما يُعجِز بعض منّا من حاملي الشهادات العلمية المتقدمة، فـ «لماذا لا نكون أطفالاً»؟!.

هذه الأحرف موجهة لك أيها الكبير عمراً، والتي أقول لك فيها: ـ «كُن طفلاً» بدلاً من «خلّك رجّال»، لا تستغرب! وكن طفلاً «في التعبير عن مشاعرك ورأيك»، وخذني بصبرك إلى نهاية المقال.

فالطفل لا يخاف من أن يقول: (لا) أمام ما لا يرغب، ويعبّر بالإعجاب غير المصطنع عندما ينظر إلى لعبة تروق له، بينما بعض الكبار يتحاشى ذلك حتى وإن كان على حساب أولوياته.

كن طفلاً في عشق خوض التجارب؛ للتعلّم منها، فمثلاً عندما يدخل معلم على أحد الصفوف الأولية، ليعرض عليهم فرصة المشاركة في «نشاط لا صفّي»، تجد الأصابع تُرفع حتى تكاد أن تخترق سقف الفصل، وأصواتهم المرتفعة حماسةً تُسمَع خارج أسوار المدرسة، بينما أستاذ جامعي يَبُح صوته في إقناع الطلبة للمشاركة في أحد الأنشطة، فتجد أن الأغلبية العظمى لا تتفاعل إلا عند معرفتها أن هناك علامة ستُرصد، أو درجة ستُحسم.

«كن طفلاً في السعي وراء طموحاتك وحقوقك»: فعندما تسقط عين طفلٍ على حلوى، تجده يتحرّك بكل قوته سعياً لجلبها وكأنها حقٌ مشروعٌ له، ولا يهدأ له بالٌ ولا تتوقف قطرات دموعه المنهمرة إلا في لحظة الوصول إليها، كذلك هي الطموحات، اركض خلفها وكأنها الحلوى في عين الطفل، ولا تتوقف قطرات عرقك المنهمرة إلا عند تحقيقها، وتعامل معها كحقٍ مشروع لك.

«كن طفلا في التعامل مع مشكلات العلاقات»: فصديقنا «الكائن اللطيف» يتشاجر مع أقرانه، وكلٌ منهم يضرب الآخر، ولا يُترَكُ سلاح إلا ويستخدم في هذا العراك: كف، عضة، شتائم مضحكة وغيرها، ولا تمضي بعد ذلك خمس دقائق، إلا وتجدهم قد عادوا أصدقاء من جديد!، أما بعض الكبار فإنه يقطع أرحامه لسنواتٍ طويلة، ويقوم بـ «حظر» رقم صديقه القديم، ولا يحرص على أداء واجبه تجاه زملائه بسبب كلمة تافهة لم يُحكِّم عقله في التعامل معها.

«كن طفلاً في تقديرك لذاتك أمام أصحاب الصيت والمكانة»: كثيراً ما نتناقل عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقاطع لرجال شابت رؤوسهم وهم يحتقرون من ذواتهم أمام شخصية رزقها الله بمنصب أو مال أو شهرة، بهدفِ تحقيق مقابلٍ مادي أو معنوي، ولم يستفد ذلك الرجل الكبير من موقف «عبدالله بن الزبير» رضي الله عنه - عندما كان طفلاً - مع أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه.

فحينما كان «أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» يسير في إحدى طرقات المدينة المنورة، هرب منه مجموعة من الصبية لما له من هيبة عظيمة وشخصية قوية، إلا «عبد الله بن الزبير» لم يتحرك من مكانه، فوقف «عمر» أمام الغلام وجثا على ركبتيه بكل تواضع، ثم قال له: «يا بني لماذا لم تنصرف مثلما انصرف بقية الأطفال؟.. فقال له الطفل البالغ من العمر ستة أعوام: «يا أمير المؤمنين ليست الطريق ضيقة حتى أوسعها لك، ولست جانياً حتى أخاف منك».

وباختصار، فإن الطفل هو الكائن الأعلى رصيداً في مصرف (الفطرة النقية)، فاستثمر في هذا البنك وكن طفلاً؛ تصبح إنساناً!