التنوع الثقافي من المفاهيم الجديدة التي صارت رائجة في الخطاب الثقافي العالمي، وأخذت تتسرب بحياء إلى الخطاب الثقافي العربي، وإلى الآن لا يزال هذا المفهوم فضفاضا، لم تحدد معالمه الواضحة ولم ترسم حدوده الفاصلة، من أجل ذلك، فإنك حين تقرأ دراسات أو مقالات عن التنوع الثقافي تصاب بحالة لبس بين بعض المقاصد السطحية للمفهوم التي تدرج تعدد الفنون الشعبية والأزياء والطعام ضمن قضايا التنوع الثقافي، وبين المقاصد التي تنحو منحى سياسيا يؤثر على قراءة مسارات التاريخ وتحديد مدلولات الهوية المحلية للشعوب.

تشير منظمة اليونسكو إلى أن قضايا التنوع الثقافي ستصبح الجيل الثالث من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد أطلقت بالفعل إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، في العام 2001م، وتتعدد مظاهر حقوق التعبير عن التنوع الثقافي، ابتداء من اعتراف الدولة الرسمي بوجود تنوع إنساني يتمثل في جماعات السكان الأصليين في الأمريكيتين وأستراليا، أو الأقليات العرقية والدينية، أو المهاجرين الجدد، أو المهاجرين القدامى الذين شكلوا نسيجا أصيلا من مكونات الديمغرافيا مثل الأمريكان من أصل أفريقي.

وتتصاعد الحقوق لتشمل الحق في الاستخدام الرسمي للغة بعض الجماعات في المعاملات الرسمية وفي التعليم، والحق في التمثيل السياسي العادل، وانتهاء بالحق في الحكم الذاتي في الحالات التي يتحالف العامل الجغرافي مع العامل الديمغرافي، وربما كان أهم نموذج عالمي ناجح لمنح الحكم الذاتي القائم على الخصوصية الثقافية هو حالة ولاية كيبك الكندية.

والإشكاليات المعقدة التي ستواجه العرب في قضايا التنوع الثقافي هي أننا نحن العرب نظن أننا قد حسمنا مسألة الهوية في المفهوم الأحادي (العروبة)، أو المفهوم المزدوج (العروبة والإسلام)، وعلى الرغم من أن المفهومين السابقين لم يحسما بعد، غير أن المستجدات أثبتت أن باقي المكونات الثقافية صارت تطالب بالاعتراف بها في الوثائق الرسمية التي تحدد هوية الدولة، وتطالب بمنحها التمثيل السياسي المناسب، مثل المسيحيين العرب والأكراد والأمازيغ، ولم يخل الأمر من بعض المطالبات بالحكم الذاتي في حالة أكراد العراق، أو الاستقلال كما وقع فعلا لجنوب السودان، وهذا التطور في الحراك الثفاقي السياسي لن يجدي في مواجهته الفكر العربي الأحادي أو المزدوج.

مسألة التنوع الثقافي من المسائل الحيوية في الوقت الراهن، وهي تلاقي دعما من المنظمات الدولية، ويمكن أيضا، أن تستغل في الصراعات السياسية، وإن لم تمتلك بعض الحكومات العربية مشروعا لاحتواء بعض الأزمات المتعلقة بتعدد هويات المجتمع، فهناك، بلا شك، من سبقها لرسم أجندة تناسبه، ولا تناسبنا.