شيء واحد بقي ثابتا في ذهني، يوم شاركت لأول مرة في الحراك الجزائري، فقد أصبت بدهشة لم أستفق منها إلا في الأسابيع الأخيرة.

كان الجو مدهشا وحضاريا بشكل كبير لدرجة لم أصدق أني في بلاد كبرت فيها وعرفتها بدقة، واختبرت جراحاتها وشوارعها.. تساءلت إن كان هو نفس الشعب الذي أعرفه؟ الذي ذاق آلام الثورة، وعنفها، والخيبات التي تلت الاستقلال، وويلات الإرهاب الأسود الذي ربى لديه قدرات كانت كامنة في أعماقه، وهي الحذر من كل شيء، والابتعاد عن اليقينيات التي طبعت ثقافة جزء من جيلنا، الذي لم يستلم أي مشعل من جيل سابق، ظل مصرا على السلطة حتى الموت، بأنانية غير مسبوقة.

رأيت البشاشة والسلام على الوجوه، والفرح يملأ العيون، مع أن المكان يمكن أن يتحول في أية ثانية إلى مجزرة أو بركة من الدماء بقرار من بقايا العصابات المتنفذة.. إذ انتصرت الأنانية للأسف على الثقافة، وانتصرت السلطة على الدولة، وانتصرت الدكتاتورية الدفينة في الحاكم العربي، على الديمقراطية الوليدة، كما انتصر الظلم على العدالة، والفساد على الأخلاق النبيلة.

فعلى مدار 57 سنة لم يتركوا شيئا من السلطة لغيرهم.. ماذا تركوا لجيل اليوم الذي كبر في عالم آخر، وضمن معطيات ثقافية وتواصلية جديدة؟.. تركوا له قنبلة موقوتة، ووطنا بلا دولة تضمن حمايته من الهزات العنيفة، لهذا كان شعار شباب الحراك: الشعب يريد الاستقلال يصدح في كل الشوارع الجزائرية.. الاستقلال الحقيقي الذي يرقى بالسلطة نحو الدولة، والمدنية بدل العسكرية، والعدالة بدل المحسوبية.

يمكننا أن نجد تفسيرا لكل ما حدث منذ الاستقلال وما يحدث اليوم، لكن تظل هناك نقطتان أساسيتان: الاستقلال الوطني الذي استعاد فيه الجزائري وطنه المسروق من الاستعمار 1962، وحراك 22 فبراير 2019، الذي استعاد المواطن فيه حقه في قول غضبه وسخطه من 57 سنة من سرقة وطن. استعاد مساحة من النور ظلت زمنا طويلا بين مخالب قوة غير دستورية، كان يفترض أن تخضع للدولة، والحكومة المدنية، بدل أن تخضع كل شيء لها.

كثيرون لا يعرفون أن الخطأ القاتل، حدث في ذلك الصيف البعيد، من شهر أغسطس من سنة 1962، بعد الاستقلال مباشرة، عندما زحفت فيالق جزائرية من جيش الحدود التونسية والمغربية نحو العاصمة، واستولى على السلطة بالقوة، وعزل الحكومة المؤقتة، الشرعية التي قادت البلاد، من خلال مشاوراتها، إلى الاستقلال.

منذ تلك اللحظة تغير كل شيء، وكل ما تلاها لم يكن إلا هزات ارتدادية لعنف الزلزال الأساسي، بما فيها انقلاب بومدين على بن بله، أو الجيش على الشاذلي بن جديد، أو مقتل بوضياف، أو الضغط على الرئيس زروال للاستقالة.

لهذا يمكننا أن نقول إن هناك شعب آخر يولد اليوم غير مستسلم للمقولات الجاهزة، مصمم على استرجاع وطن سرق منه منذ 57 سنة، بعد ثلاثين أسبوعا أصبح من الصعب تخيل موت الحراك وخفوت المطالب.

بعد ثلاثين أسبوعا أصبح من الصعب تخيل موت الحراك الجزائري