في انتخابات رئاسية خالفت نتائجها الأولية كل التوقعات، تصدّر نتائج الدور الأول المرشحان قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري المستقل، ونبيل القروي رجل الأعمال الموقوف على خلفية قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي وتبييض الأموال.

تصدر هذان الاسمان غير المحسوبين، سواء على النظام الحاكم أو المعارضة، كان مفاجأة للقوى السياسية التونسية، لكنّها لم تكن مفاجئة للقوى الناخبة التي رأت في هذا التصويت عقاباً لأحزاب وشخصيات رئيسة، شكلت الحياة السياسية بعد ثورة 2011، والتي فرّقت في التصويت بين منظومة الحكم (سواء إسلاميون أو ليبراليون)، وبين من يحمل مشروعاً ثورياً أو مجتمعياً.

رأى الناخب التونسي في قيس سعيد استمراراً لروح ثورة الياسمين، التي رفع شعارها في حملته الانتخابية، خاصة أنه لا ينتمي لأي حزب سياسي؛ وإن كان قد أعطى خطاباً مطمئناً جداً للمجموعات المحافظة من خلال موقفه الرافض لمسألة المساواة في الميراث والمثلية الجنسية، بينما رأى في نبيل القروي المُنقذ الاجتماعي، الذي غطى نشاطه الخيري لمصلحة الفئات الفقيرة المساحات الفارغة التي تركتها الدولة، مستعيناً في الترويج لذلك بماكينته الإعلامية.

لا شك في أن الانتخابات التونسية قد عكست إرادة الشعب ورغبته في التغيير، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الضبابية المحفوفة بالمخاطر، بعدما أعطت تقدماً لتيارين أحدهما ثوري محافظ ليست له أية علاقة بالعمل السياسي وليس له مشروع واضح ولا يؤمن بالدولة المدنية، والآخر شعبوي يقبع داخل السجن بشبهات فساد.

ففي حال فوز قيس سعيد بالدور الثاني، ستواجهه الكثير من الأزمات، منها: منح الثقة للحكومة التي سيقترحها، والتواصل مع رئيس الحكومة التي يكونها الحزب الفائز وقتها، حينئذ سيجد نفسه مكبلاً بين خيارين: إما التحالف مع كتلة مساندة داخل البرلمان، وهذا ما سوف تستغله حركة النهضة لمصلحتها للتقارب الفكري بينهما، أو أن يقدم استقالته.

أما في حال فوز نبيل القروي فستدخل البلاد في أزمة قانونية، فهو إذا ما كان في حالة اعتقال فلن يستطيع أداء اليمين الدستورية، وهنا سيجد التونسيون أنفسهم في ظرف ستين يوماً من إعلان النتائج النهائية أمام حالة شغور في رئاسة الجمهورية، وسيكون الاحتمال الأقرب حسب الدستور أن يقوم رئيس الجمهورية المؤقت بالدعوة إلى انتخابات رئاسية ثانية سابقة لأوانها.