مُنشية.. تلك القدرة الموجودة بالفن، التي تحرك فينا مشاعر يصعب وصفها أو التعبير عنها، لا تُعرف إلا لمن يمُر بها، حينها سيدرك ماهيتها، التي لا يمكن أن توصف فقط بالتوهان في عالم الأحاسيس اللاشعوري الممزوج بقشعريرة، كتلك التي تصيبك حين تشعر بنسمة هواء باردة تخترق جسدك على حين غفلة، فتستقبلها بإرادة المستسلم الذي لا يملك من أمره شيئاً!

وصف الفن بالرسالة تعبير حقيقي أفقدناه معناه السامي الذي يعبر عنه، بعد أن اقتحمه الدخيل والسفيه، فتحول من أداة للسمو لأخرى تجارية تُثري الجيوب وتثير الغرائز وترسم على محيانا ابتسامة مؤقتة تتبعها قهقهات فارغة لا تلبث أن تزول بعد انتهائها، لنعود بعد ذلك لرتابة حياتنا وانشغالنا من دون أن تنعم أرواحنا بلحظات التحليق في عالم الإنسانية الجميل الذي افتقدناه في زخم دنيا لا ترحم، حولتنا لما يشبه الآلات البشرية المشغولة باستمرار والمستهلكة فيما ينفع وما لا جدوى منه على السواء.

لو استفتينا عينة عشوائية من فئة الشباب عن أكثر ما يثيرهم ويترك مفعولاً رقت له أفئدتهم من موسيقى أو أفلام، لكانت النتائج في أغلبها، ولن أقول صادمة بل شبه متفقة على مقطع ربما رومانسي، هو في حقيقته مبتذل ويحمل مشاهد مكررة للعتاب والفراق أو التلاقي، بعد خصام لحبيبين فرقهما قهر الظروف التي لا تعدو أن تكون فقراً أوغنى أو مكانة اجتماعية، أو عادات وتقاليد مجتمعية من صنع ثقافتنا الفوقية.

إنّ المأساة التي أستشعرها من مثل هذه الرؤى هي أننا بلورنا تفاعل إنسانيتنا وقصرناها بالمشاعر العاطفية، مع أن الأخيرة رغم جمالها وروعة العيش فيها؛ إلا أنها لا تعدو أن تكون الحلقة الصغرى في سلسلة طويلة من الحلقات التي تجاهلناها وتجاوزنا روعة أثرها الطيب في النفوس.

والفن المنشود والغائب عن تصورنا هو ذاك المشابه للحظات يتملكك فيها صوت كورال وعازفو رائعة الموسيقي الألماني كارل أورف، والمعروفة «بكارمينا بورانا» أي الأشعار الدنيوية، وأفضل حركة معروفة فيها المُسماة «أو فوروتنا».. ستتلبسك حالة من النشوة أثناء استماعك لها أشبه بالهلوسة، والانفصام رغم صعوبة كلماتها المستخدمة من عدة لغات، والتي يصعب حفظها وفهمها، إلا أن لها أثراً أشد وقعاً من السحر على الفؤاد، وكفيلة بأن تفصمك وتأخذك معها إلى تلك الأجواء الفنية المنشودة والغائبة.