في عام 1839، شوهدت أول مركبة جوية غير مأهولة في تاريخ الطيران حين هاجم الجنود النمساويون مدينة البندقية بمجموعة من البالونات الممتلئة بالمتفجرات. نجحت تلك البالونات بشكل جزئي؛ إذ دمرت دفاعات المدينة الحصينة، غير أنها أحدثت عدداً من الخسائر في صفوف الجيش النمساوي بعد أن ارتدت إليه بسبب تغير اتجاهات الرياح. وبالتالي؛ لم يتم اعتماد هذا السلاح بسبب صعوبة التحكم والتوجيه.

إلا أن العلماء تمكنوا على مدى نحو قرنين من الزمان من تطوير المركبات غير المأهولة. وأصبحت الطائرات دون طيار حقيقة لا يُمكن الاستغناء عنها، سواء في مكافحة الأمراض أو التقاط وتفريغ النفايات الخطرة وحتى توصيل البيتتزا وخوض الحروب. فما هو مستقبل التقنية التي تُشكل سلاحاً ذا حدين؟

مع تزايد إمكانية الوصول إلى الطائرات دون طيار، وسهولة تصميمها، وشرائها، تمكنت تلك الطائرات من العمل في العديد من الوظائف. ففي عام 2018؛ وصلت القيمة الاقتصادية لخدمات الأعمال التي تستخدم الطائرات بدون طيار إلى نحو 127 مليار دولار. مع توقعات وصول تلك القيمة للضعف خلال 3 أعوام فحسب.

تُعرف الطائرات دون طيار بكونها آلة تعمل بشكل ذاتي أو غير ذاتي من خلال مجموعة من التقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيات منع التصادم، والرصد. في بعض الأنواع؛ يتم برمجة الطائرات وتغذيتها بالمعلومات اللازمة لتنفيذ المهام قبل الإقلاع، ومن ثم تقوم الطائرة بتنفيذ المهمة والعودة إلى القاعدة دون تدخل بشري، يُسمى ذلك النوع بالطائرات دون طيار ذاتية الطيران. فيما يُمكن التحكم في النوع الأخر، غير الذاتي، بواسطة مجموعة من الخبراء الذين يُمدون الطائرة بالمعلومات بشكل لحظي ويقومون بالتحكم فيها من خلال القاعدة الجوية الأم.

ويقول الباحث في مجال الطائرات دون طيار «يولون تيان» وهو طالب دكتوراه في قسم الملاحة الجوية والفضائية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إن معظم الطائرات الحالية تعمل في نطاق التحكم عن بعد. إذ إن «الذكاء الاصطناعي لم يتطور إلى الحد الذي يجعل من الطائرات ذاتية القيادة» ويُشير «تيان» في تصريحات خاصة لـ «الرؤية» إلى إن المستقبل يحمل «الكثير من الآمال والآلام لتلك التقنية».

لعقود من الزمان، اقتصر استخدام الطائرات دون طيار على الجيوش النظامية، إذ إن هناك العديد من أنواع الطائرات العسكرية التي تُستخدم بشكل حصري للمراقبة، أو للقيام بعمليات هجومية أو حتى الاستطلاع العسكري الذي يسبق شن الهجمات.

غير أن «تيان» يقول إن الوضع قد تغير قبل نحو 10 أعوام. إذ إن التطور في ابتكار الكاميرات والحساسات أثر بشدة على الاستخدام المتزايد للطائرات، فمثلاً؛ قام الصليب الأحمر النمساوي في عام 2017 بتطوير طائرة يُمكن أن تستخدم في البحث والإنقاذ. تقوم تلك الطائرات برصد البشر في مناطق الكوارث بطريقتين، الأولى كاميرا عالية الدقة والثانية كاميرا حرارية تستشعر حرارة الأجسام الحية.

بالإضافة إلى الاستجابة للطوارئ، تُثبت الطائرات دون طيار أنها مفيدة في أوقات الكوارث الطبيعية، وخاصة في أعقاب الأعاصير والزلازل. إذ يُمكن استخدام تلك الطائرات لتقييم الأضرار وتحديد أماكن الضحايا وحتى تقدم المساعدات لهم.

كما يُمكن لتلك الطائرات المساعدة في مراقبة ومكافحة حرائق الغابات عبر استخدام كاميرات التصوير الحراري للكشف عن التباين غير الطبيعي في درجات حرارة الغابات، وهو أمر قد يوفر معلومات مُسبقة تمنع أصلاً اندلاع الحرائق.

ويقول «تيان» إن المستقبل سيحمل الكثير من المهام الإضافية للطائرات دون طيار، من ضمنها مكافحة الصيد الجائر، واستشعار تغير المناخ وتأثيره على الحياة البرية، ودراسة النظم البيئية العالمية، ومراقبة الحيوانات وتعقبها، وجمع العينات، وإجراء البحوث دون تلويث الموائل الطبيعية، وتسهيل البحث في النظم الإيكولوجية، وتعقب الصيادين غير الشرعيين، وإرسال المعلومات إلى الجهات المختصة للقبض عليهم.

في العام الماضي؛ قامت إحدى شركات التوريد الطبي الشهيرة بإطلاق مشروع ضخم يهدف لاستخدام الطائرات دون طيار في توصيل الأدوية للمناطق النائية والريفية في أفريقيا. في بعض الأحيان، لا يُمكن استخدام وسائل الإمداد الطبي التقليدية لتوصيل الدواء. ويقول «تيان» إن الطائرات دون طيار سيكون لها تأثير عميق على الوقاية من الأمراض في المستقبل، وتحسين وصولية الدواء إلى المناطق البعيدة والنائية، ما يُحسن من الظروف المعيشية السيئة للأماكن الأكثر فقراً حول العالم.

ويسعى المزارعون حول العالم لخفض تكاليف الزراعة وزيادة كمية المحصول، يُمكن في المستقبل استخدام الطائرات دون طيار من قبل المزارعين لجمع البيانات، وأتمتة العمليات، وزيادة الكفاءة، وتلقيح الزهور.

يقول «تيان» إن الطائرات دون طيار يُمكن أن تعوض النقص الحاد في النحل، كما يُمكن أن تُعالج مشكلة نقص العمالة في مجال الزراعة.

وعلى الرغم من أن الطاقات النظيفة أصبحت شائعة الاستخدام حول العالم، إلا أن الوقود الأحفوري لا يزال هو المصدر الرئيس للطاقة في معظم البلدان، يقول «تيان» إن الطائرات دون طيار يُمكن أن تستخدم في الكشف عن آبار البترول والغاز، وإجراء تفتيشات السلامة على البنية التحتية المستخدمة في استخراج البترول، كما يُمكن حمايتها أيضًا من الهجمات الإرهابية، ومراقبة مستويات السلامة البيئية في تلك المنشآت.

يقول «تيان» إن تخطيط المُدن، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع نطاق شبكات الاتصالات، وإجراء العروض الترفيهية، وتصوير المشاهد السينمائية، ونقل المواد الغذائية، كلها مهام يُمكن أن تؤديها الطائرات دون طيار في المستقبل القريب «فعلى الرغم من أن استخدام الطائرات في الحروب يُمكن أن يُزيد من أعداد الضحايا والخسائر الاقتصادية إلا أنها قد تُنقذ آلاف الأرواح.. الإشكالية الحقيقية هي: من سيكون صاحب اليد العليا في استخدام الدرونز في المستقبل.. القاتل أم من يرغب في البناء؟».