عُقدت في مركز جنيف للمؤتمرات ندوة بعنوان «التبعات الحقوقية والأمنية للسياسة الإيرانية في الشرق الأوسط».

تأتي الندوة، التي نظمتها الهيئة الدولية للسلام وحقوق الإنسان في جنيف، في وقت تصاعدت فيه تطورات الصراع الإيراني العربي بعد ضربات شركة النفط السعودي أرامكو بهجمات تشير معظم الجهات الدولية إلى ضلوع إيران فيها.

في بداية الندوة، تحدثت الدكتورة وسام باسندوة، أستاذة العلاقات الدولية والخبيرة في مجال الحقوق والحريات، في ورقتها المعنونة «سياسة تصدير الثورة الإيرانية وآثارها على الأمن العربي» عن تاريخية مبدأ تصدير الثورة الإيرانية الذي اعتمد على تشكيل خلايا داخل دول الجوار لإحداث البلبلة فيها والاستفادة من البُعد الطائفي قدر الإمكان وتسخيره لتحقيق الأهداف السياسية والأطماع التوسعية.

وأشارت باسندوة إلى أن المد الثوري الإيراني كان سبباً رئيساً في نشوء معظم الحركات المتطرفة في الوطن العربي، وأن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتشجيع النظام الإيراني على اللعب بالورقة الطائفية في المنطقة حتى قبل احتلال العراق، مضيفة أن الحرب الإيرانية العراقية كانت واحدة من أهم نتائج تصدير الثورة الإيرانية بعد أن اعتبرها العراق تخريباً خطيراً لبنيته الاجتماعية ببعدها الطائفي الذي أظهر إلى السطح ظواهر لم تعرفها المجتمعات العربية من قبل وأفكاراً دينية جديدة غير مألوفة ذات طابع قومي فارسي حتى لدى الشيعة العرب.

وتحدثت باسندوة عن مفهوم «الجغرافية العقائدية» الذي تعتمده إيران في سياساتها التوسعية، والذي يعكس حجم تطلعاتها ونفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن ودول أخرى، موضحة أن ادعاء الحركة الحوثية مسؤوليتها عن ضربات المنشآت النفطية في السعودية قبل أيام هو جزء من التنسيق الكبير والواضح بين فصائل الحرس الثوري الإيراني في المنطقة العربية، مشيرة إلى أن هذه الضربات تعد مؤشراً على إفلاس النظام الإيراني وضعفه وبداية لانتكاس مشاريعه التوسعية برمتها.

من جانبه، تحدث الأستاذ يوسف عزيزي، الكاتب والباحث الأهوازي والفائز بجائزة هيومن رايتس ووتش الدولية، في مداخلته المعنونة «إيران.. بقايا إمبراطورية واستعمار في الداخل»، عن الخلفية التاريخية لإيران كإمبراطورية وليس كدولة أو أمة قومية، مشيراً إلى عدم وجود «هوية مشتركة شاملة في إيران»، بل وجود «حدود ثقافية ولغوية لا تتطابق مع الحدود السياسية للبلاد». وأضاف عزيزي أن ما شهدته الساحة الإيرانية خلال العقدين الأخيرين من حراك مدني وسياسي ومسلح في المناطق غير الفارسية «هو خير دليل على دور الشعوب غير الفارسية في الصراع السياسي الجاري والمقبل في إيران».

وذكر عزيزي أن منظمة حقوق الإنسان الإيرانية أشارت إلى أن حصة القومية الفارسية المهيمنة سياسياً واقتصادياً (والتي تشكل نحو 50% من السكان) من الإعدامات خلال الفترة من 2010 إلى 2018 لم يتجاوز الـ8%، فيما بلغت حصة بعض القوميات غير الفارسية من هذه الإعدامات نحو 93%.

ووصف عزيزي النظام الإيراني المركزي بأنه استعمار داخلي يحمل سمات ممارسات الاستعمار الخارجي، لكنه يُطبَّق داخلياً، بدوافع اقتصادية واجتماعية وعرقية عنصرية، مضيفاً أن ظواهر هذا الاستعمار تأتي على شكل مصادرة أملاك الشعوب أو المواطنين لمصلحة النظام، والعمل الدؤوب على تغيير الخريطة الديمغرافية للسكان الأصليين لمصلحة المهاجرين من القومية المهيمنة، أو تهجير السكان الأصليين بسبب انتمائهم العرقي من مناطق سكنهم لمصلحة مشاريع اقتصادية كبرى، وهي مجمل الظواهر التي تحدث اليوم في إيران مع الأقليات، خصوصاً العرب.

وأنهى عزيزي مداخلته بالتأكيد على أن البديل الممكن لتفتيت بقايا الإمبراطورية وإزالة الاستعمار الداخلي هو تقسيم السلطة والثروة بين القومية الغالبة والمكونات القومية المغلوبة على أمرها بإقامة نظام لامركزي فيدرالي، كما كان سائداً بشكل تقليدي في إيران لقرون.

الدكتورة أروى الخطابي، الباحثة والكاتبة والناشطة الحقوقية، أشارت في مداخلتها بعنوان «التهديدات الإيرانية لأمن الملاحة البحرية» إلى أن إيران تسعى إلى تهديد الأمن العالمي عن طريق تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز في مدخل الخليج العربي ومضيق باب المندب في مدخل البحر الأحمر، مسلطة الضوء على أهم الأعمال العدائية التي قامت بها إيران في مضيق هرمز ومياه الخليج العربي خلال الأشهر القليلة الماضية من عام 2019، مقارنة إياها بتلك التي قامت بها الحركة الحوثية في مضيق باب المندب وفي طريق الملاحة الدولية.

وتطرقت الخطابي إلى بعض النتائج الفادحة لتهديد الملاحة البحرية، منها زيادة حدة التوتر في المنطقة، وهو «ما يهدد بانفجار حرب دولية تكون نتائجها كارثية على العالم»، حسب قولها، وكذلك تراجع الاقتصاد العالمي وارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، ما من شأنه إضعاف القدرة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة والفقر في العالم، وما يتبع كل ذلك من أزمات اقتصادية وإنسانية.

واختتمت الخطابي بالإشارة إلى أن آخر تقرير لفريق الخبراء البارزين الدوليين بشأن اليمن، الذي صدر قبل أيام، لم يتطرق إلى التهديدات التي تقوم بها الحركة الحوثية للمضائق والممرات المائية في الخليج والبحر الأحمر وانعكاساتها على أمن وسلامة الملاحة الدولية، موصية بألا يتم تجاهل هذه القضية لأهميتها القصوى.

الأستاذ أحمد القريشي، الخبير الدولي في سياسة الأمن القومي، وعضو مركز جنيف الدولي للعدالة GICJ، أكد في مداخلته المعنونة «بعد عام 1979.. فصل جديد في الحرب بالوكالة» على أن النظام الحاكم في إيران هو النظام الديني الوحيد في المنطقة الذي استطاع أن يمسك بزمام الحكم لـ4 عقود، إذا ما قورن ببقية الأنظمة الدينية الأخرى، سواء في أفغانستان، أو مصر أو الجزائر، وهي الأنظمة التي لم تستطع إقناع شعوبها ببرنامجها الديني المتشدد.

وتطرق القريشي إلى تفاقم الأزمات الداخلية للنظام الإيراني، خصوصاً الوضع الاقتصادي، الذي يعتبر الأسوأ منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، مشيراً إلى أن هذا العام بما حمله من أزمات وحصار دولي على النظام يشكل مرحلة مفصلية.

وقال القريشي إن العالم يتحدث كثيراً عن «الجهاد السني»، لكنه لا يتحدث عن «الجهاد الشيعي» القادم بعنف وقوة، والذي يهدد ليس فقط سلامة وأمن شعوب المنطقة العربية والشرق الأوسط، بل العالم كله، مطالباً بعدم الوقوع في خطأ تصنيف الصراع في المنطقة باعتباره صراعاً سنياً شيعياً، وهو ما يخدم النظام الإيراني، بل بإبراز الحقيقية الجوهرية، وهي أنه صراع «النظام الخميني» مع كل من يعارض، أو لا يتفق مع، هذا النظام، سواء من الإيرانيين أنفسهم، والشيعة في مناطق مختلفة إلى جانب بقية شعوب المنطقة.

واختتم القريشي بالقول إن أي رد عسكري على تفجير المنشآت النفطية في السعودية في الوقت الحالي سيخدم نظام الملالي الإيراني الذي بدأ يضيق من الحصار الدولي المفروض عليه، والذي سيجد في أي تحركات عسكرية منقذاً له.

الندوة التي أدارها الأستاذ يوسف أبوراس، المستشار في مجال حقوق الإنسان، اختتمت بعدد كبير من النقاشات والمداخلات والأسئلة من قبل الحضور الكبير.