أوحى الهجومان على منشآت شركة«آرامكو» السعودية في موقعي بقيق وخريص بطائرتين مسيرتين يوم 14 سبتمبر الجاري، بمدى التهديد بالخطر الذي تتعرض له البنى التحتية الأساسية في الدول الخليجية. وبالرغم من ان المرتكب الحقيقي لهذه الجريمة النكراء، والمكان الذي انطلق منه الهجوم لا يزالان محل خلاف، إلا أن تداعيات هذين الهجومين أصبحت واضحة، ومع ذلك يجب ألا تنشب حرب حقيقية في شمال وجنوب الخليج، ولا يمكن أن يحدث هذا أبداً لأن الأطراف المتصارعة شديدة القرب من بعضها البعض، كما لا يمكن لأي طرف أن يدافع عن نفسه بالفعالية اللازمة عند نشوب حرب شاملة حتى لو كان مسلحاً بأكثر الأجهزة الدفاعية تطوراً.

وإذا كانت الهجمتان قد نفذتا بطائرتين إيرانيتين مسيرتين، فإن ذلك يعني أن الإيرانيين لا يتوقعون إقدام الولايات المتحدة على التدخل العسكري بعد تراجع ترامب عن تعهده بالانتقام من إيران، عندما أسقطت دفاعاتها الجوية طائرة أميركية مسيّرة بتاريخ 20 يونيو الفائت وأيضاً بعد عزل مستشار الأمن القومي جون بولتون يوم 10 سبتمبر الجاري.

لقد اكتفى ترامب بتوجيه اللوم لإيران وهددها بالمزيد من العقوبات ولكنه آثر الابتعاد عن التهديد بانتقام عسكري بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكرر الحديث عن نيّته بتجنب المشاركة في أي صراع عسكري مباشر مع إيران، وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الهجوم على آرامكو حدث قبل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المعادة مباشرة والتي نظمت يوم 17 سبتمبر الجاري.

ويمكن للحقيقة التي تفيد بأن الناخبين الإسرائيليين أداروا ظهورهم لنتنياهو حتى عند تفاقم الأزمة الأمنية في الخليج، أن تخبرنا الكثير عن تغير الظروف السياسية، ونتنياهو، الذي خاض العديد من الحملات الانتخابية وفاز فيها بإنجازاته الناجحة في مجال السياسة الأمنية، أصبح يجني الآن الزوابع من تداعياتها.

ولو حقق الانتصار في تلك الانتخابات، لكانت الهجمتان على المنشآت السعودية قد قوبلتا بجدية أكبر، وربما كنا لمسنا مواقف أكثر عنفاً من القوى العظمى ضد إيران، وخاصة من حكومة الولايات المتحدة.

وعندما وجد نتنياهو نفسه في مواجهة هزيمة انتخابية محتملة، لم يعبأ به الرئيس ترامب، وقال:«علاقتنا هي مع إسرائيل، وليست مع نتنياهو».

والظهور اللافت الذي حققه تحالف الأحزاب العربية «القائمة المشتركة»، الذي حل في المركز الثالث، له أيضاً قصته التاريخية المهمة، فالعرب الإسرائيليون كثيراً ما عانوا من التهميش، إلا أن أحزابهم اتحدت أخيراً وارتفعت أعداد الناخبين العرب المؤيدين لها للدرجة التي سمحت لها بمواجهة الحملة الخبيثة بقيادة نتنياهو وبقية قادة الجناح اليميني المتشدد، والذين ما فتئوا يعبرون عن مخاوفهم من مشاركة العرب المتزايدة في التأثير وحاولوا إقناع الناخبين اليهود بعدم التصويت لتحالف «الأزرق والأبيض» ولكنهم فشلوا.

وإذا تمكن تكتل الأحزاب السياسية العربية من أن يصبح شريكاً تحالفياً، أو لو تحول إلى حزب معارض قوي في إسرائيل، ففي كلتا الحالتين، سيمثل ذلك تغيراً حاسماً في التاريخ.