عبقرية ابن سعود، التي بنت المملكة العربية في صحراء جزيرة العرب، والتي بدأت قبل قرن من الزمان، هي قصة تحكى للتاريخ رغم أن تفاصيلها لم تروَ بعد، لأننا نعيش دولتها القوية اليوم، ومن ينظر اليوم إلى هذه المملكة العربية السعودية الأغنى والأكثر قوة وتماسكاً، يكتشف أنها المملكة الأكثر استهدافاً ليس من القوى العالمية فقط، وإنما من القوى الإقليمية أيضاً، بل وحتى من بعض الأطراف العربية!

والسؤال الذي يجب أن نجيب عنه - خصوصاً نحن في منطقة الخليج، بما فيها قطر التي خرجت عن الإجماع الخليجي وأصبحت تغرد خارج السرب - هل نريد المملكة العربية السعودية قوية أم ضعيفة؟ والسؤال الآخر من المستفيد من مملكة قوية ومن المستفيد إذا كانت ضعيفة؟

قبل أن يظهر النفط في المملكة ودول الخليج لم يكن أحد في العالم يهتم بهذه المنطقة وسكانها، وكانت بالنسبة للعالم «مجرد» طريق لعبور التجارة من الشرق إلى العرب وبالعكس، وبعد ظهور النفط تغير كل شيء، وأصبحت المملكة ودول الخليج الكعكة التي تتنافس عليها القوى العظمى، وعلى الرغم من أن صحراءنا لم تتغير ومناخنا الحار لم يصبح ألطف عن ذي قبل، وسكان المنطقة هم البدو وسكان الجبل والبحارة ولم يتغيروا، إلا أن النفط جعل العالم لا يغفل عن هذه المنطقة لحظة واحدة، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد بداية ظهور النفط في منتصف القرن الماضي في دولة تلو الأخرى بعد تقسيم المنطقة واستقلال الدول الخليجية، لم تعرف هذه المنطقة الهدوء، فمن حرب إلى أخرى ومن صراع إلى آخر ومن جماعة إرهابية إلى أخرى ابتداء بالإخوان مروراً بالقاعدة وصولاً إلى داعش وإخوانه وأخواته، وحزب الله والحوثي والحشد الشعبي وغيرها من تنظيمات الإرهاب والقتل والظلام.

بعض العرب لا يزال يختزل صورة وواقع الخليج في جمل وخيمة وبئر نفط، والبعض الآخر لا يرى في الخليج إلا الخطر! وهي نظرة لا تختلف عن نظرة الغرب الاستعماري، الذي، إضافة إلى كل ذلك، ينظر للخليج كأرض مستباحة يحق له أن يستولي على خيراتها بأي شكل من الأشكال وبأبخس الأثمان، حتى لو تطلب الأمر إشعال الحرب تلو الأخرى، وإن أدت تلك الحروب إلى موت وتهجير الملايين، وهذا ما يحدث في اليمن اليوم، وما حدث في العراق وما يحدث في ليبيا وسوريا وبقية الدول التي أصابها شرر ما يسمى بالربيع العربي.

والسعودية تحتفل بالذكرى الـ89 لقيامها يجب أن نفكر كخليجيين وكعرب «مِن مصلحة مَن إضعاف السعودية؟»، والإجابة لن تحتاج إلى كثير من التفكير إذا ما تحلينا بالعدل والإنصاف في إجابتنا.. فالمستفيد هو إسرائيل أولاً وإيران وتركيا والقوى العظمى، أي إنه لن يكون أحد من العرب مستفيداً من إضعاف السعودية، بل ستكون كل دول الخليج والدول العربية، حتى التي لا تتفق مع السياسة السعودية، متضررة، فكما أن قوة مصر قوة للعرب، فإن قوة السعودية قوة للخليجيين أولاً، ولجميع العرب ثانياً.

قد يختلف البعض مع بعض السياسات السعودية، وقد يختلف البعض مع بعض الخطوات التي قامت بها، وقد ينتقد البعض أخطاء وقعت فيها المملكة، لكن كل هذا لا يعني أن يتمنى البعض الضعف للمملكة، والحقيقة التي نعرفها جميعاً أن هناك من داخل المملكة من يتحفظ على بعض السياسات والتوجهات وينتقد بعض الأخطاء، وهذا لا يقلل من أهمية ومكانة المملكة، ولا يمكن أن يكون مبرراً للوقوف ضدها.

المملكة تتغير والمملكة تحاول أن تصحح أخطاءها، والملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، يقودان التغيير الذي يعتبر فعلياً «التغيير المستحيل»، فالإرث في المملكة ثقيل وما يجب تغييره يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير وشجاعة، والمملكة في هذا التغيير تحتاج إلى وقوف أشقائها معها، وبدلاً من أن يكون بعض الخليجيين والعرب معول هدم وإحباط لما يجري في المملكة يجب أن يكونوا سواعد بناء.. وعندما تكمل المملكة عامها المئة - بعد سنوات قليلة - تكون قد حققت أهدافها ونجحت في إحداث التغيير الذي يخدم الإنسان السعودي، وستكون السند القوي لكل العرب كما هي اليوم وأكثر.

لنعد إلى الوراء قليلاً، 20 عاماً أو أقل، ونقيّم الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق، من المستفيد من هذه الحرب ومن الخاسر؟ المستفيد الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا وبالطبع إسرائيل.. ومن الخاسر الحقيقي؟ بالطبع الشعب العراقي والعرب جميعاً بلا استثناء، حتى أولئك الذي كانوا يختلفون مع صدام حسين والنظام العراقي! نتفحص الوضع في سوريا وفي ليبيا، من المستفيد؟ الدول الغربية التي تتاجر بالحرب هناك، وقوى إقليمية تقريباً هي نفسها المستفيدة من الحرب في سوريا، أما الخاسر فهو الشعب في سوريا.. وفي ليبيا فالعرب بطبيعة الحال هم الذين يدفعون الثمن.. والذين اختلفوا مع نظام القذافي ونظام الأسد لم يستفيدوا شيئاً مما حدث ويحدث في هذين البلدين.

لذا فإن العرب أمام مسؤولية تاريخية تتطلب منهم الحفاظ على ما بقي من قوتهم، وأكبر دولتين عربيتين متماسكتين اليوم هما مصر والسعودية، وهما بلدان مستهدفان في أمنهما واستقرارهما وجغرافيتهما، ورأينا كيف أن مصر مستهدفة وإن كان يبدو الاستهداف في شخص رئيسها، إلا أن الهدف هو إضعاف مصر وجيشها، كما رأينا استهداف السعودية من خلال الاعتداء على «أرامكو» ومحاولة جر السعودية إلى حرب جديدة، والهدف هو إيقاع السعودية والمنطقة في مستنقع الحروب التي لا تنتهي.

مهم جداً أن يكون وعي الجماهير والنخب العربية في هذه المرحلة الحساسة على مستوى المخاطر وبعيداً عن العواطف والخلافات البينية أو الشخصية، فمزيد من تشتت العرب يعني مزيداً من القوة لأعدائهم في المنطقة ومزيداً من الابتزاز الغربي لهم.

هكذا يجب النظر إلى الأمور، بمنظور واسع وبرؤية بعيدة المدى، وهكذا اختارت الإمارات علاقتها مع السعودية، علاقة قوية وراسخة، وثقة متبادلة محفوفة باحترام كبير وأهداف استراتيجية بعيدة المدى من أجل دول ومنطقة تستطيع أن تنطلق إلى المستقبل ويمكنها أن تدافع عن نفسها.