الثلاثاء - 19 نوفمبر 2019
الثلاثاء - 19 نوفمبر 2019

غذاءٌ وكتابٌ.. وذاكرة

بقلم: رنا سعادة أستاذة لغة عربية ـ الإمارات

كل الغذاء مستهلكٌ إلا غذاء العقل فهو منتج لا محالة.. حرفٌ ينتج كلمة، تنتظمُ في جملة، تفضي إلى جملة تنمو لتصبح فكرة، تتوالد الأفكار فينبثقُ النص نتاجا لعقل غُذِّيَ بالمعرفة والثقافة.

هكذا يتعهّد المرء عقله، وكأنما يعتني بطفل صغير لمّا ينضج، ومع تتابع الأيام وعلى مر السنين يكبر هذا الطفل حتى يُصبح عالَما زاخرا بالمعرفة، وبستانا زاهيا بالرؤى والأهداف والأفكار والآراء.


لا يمكن أن يتقدم شخص دون فكر، والعقل الأجوف لا فكر فيه، ولا يمكن أن تقوم قائمة أمة دون أن تنمي عقول أبنائها، ومفتاح هذا كله: القراءة يقول راي برادبيري:«لست بحاجة لحرق الكتب لتدمير الثقافة.. فقط امنع الناس من قراءتها»، ذلك لأن القراءة تأخذنا إلى عوالم فسيحة من المعرفة وفضاءات شاسعة من الرؤى والأفكار تفضي بنا بعد حين إلى نوع آخر من القراءة.. قراءة ما حولك، قراءة الوجود، قراءة العيون، تفحص الوجوه، وتدارس التوجهات والاهتمامات.

هذا ما تصنعه القراءة فينا، حبٌّ يتملّكُنا ولا نجده عند الآخرين، انتماءٌ للكتاب وتشريفٌ للكلمة حين يقرؤها مَنْ يبحرُ في معناها، ويغوص في أعماق العبارات ودلالاتها.

لستُ أرى أبشع من استنزاف الأجهزة للعقول وللذاكرة، أين نحن من ذاكرة أسلافنا؟!، حيث لا شيء يقوم مقامها، ذاكرة ناصعة، تحفَلُ بالشعر والحكايا والمحفوظات.

أما الآن فثمة أجهزة تحفظ لنا ما نريد حفظه، بل وتُملي على عقولنا مسموعاتٍ شتى تُغنينا عن القراءة، لتضْمُر الذاكرة ويبقى العقلُ فارغا إلا من الروتين اليومي.
#بلا_حدود