الاثنين - 21 أكتوبر 2019
الاثنين - 21 أكتوبر 2019

بناء الاتحاد الأوروبي.. مسؤولية العالم

بقلم: أحمد الباز باحث في العلاقات الدولية- مصر

عند الحديث عن حروب دول أوروبا فيما بينها، فإن حرب الثلاثين عاماً 1618 - 1648، تأتي على رأس قائمة تلك الحروب التي جعلت أوروبا تفيض دماً وكراهية بسبب مزيج من الأحقاد الدينية والرغبة في السيطرة، حتى تم توقيع صلح وستفاليا عام 1648 لتنعم هذه البلاد ببعض الراحة والسلم لنحو أربعة عقود، عندما فاضت بحور الدم الأوروبية مرة أخرى مع اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهي الحروب التي شارك العالم كله في ثمنها الباهظ، ما دفع نفراً من الأوروبيين في هذه الأثناء للتساؤل: لماذا نتقاتل دائماً، فندمر أنفسنا والعالم كذلك؟

وكان من ضمن الإجابات أن دول أوروبا لا تجمعها مصلحة مشتركة تُقيد رقاب الأوروبيين بعضهم البعض، وتجعلهم أكثر حرصاً على السلام منه على الحرب، واستقر يقين القادة والمفكرين الأوروبيين في هذه الأثناء على أن السلام في أوروبا ممكن من خلال تحالف بين الأمراء وربط طموحاتهم ببعضهم البعض، ورأى جان جاك روسو: أن تأسيس حكومة كونفدرالية بين دول أوروبا ستكون هي السبيل الوحيد لإنهاء النزاعات الدينية والقومية والاقتصادية بين دول أوروبا، حتى ظهر الاتحاد الأوروبي بعد ذلك بسنين عبر سلسلة طويلة من التحولات والإضافات التي كانت تهدف في المقام الأول إلى ضمان استقرار وأمن أوروبا، ومن ثم العالم.


وبناء عليه، فإن ضمان استمرار تكتل الاتحاد الأوروبي في البقاء على قيد الحياة يجب أن يكون محل اهتمام من العالم أجمع، لأن أي اهتزاز قد يصيب هذا التكتل بما يدفع نحو انهياره قد ينتج عنه العديد من الأزمات الأمنية ليس في أوروبا فقط بل في العالم أجمع، ومنها: 1- ضمن الاتحاد الأوروبي كبح النزعات القومية الأوروبية لدى دول أوروبا من التغول على بعضها البعض، ويبدو أن هذه النزعات لم تمُت تماماً وجاهزة للعودة مرة أخرى.

2- ارتداد عدة دول من شرق ووسط أوروبا، خصوصاً تلك التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي عن الديمقراطية، حيث كان انضمامها للاتحاد الأوروبي في أحد أسبابه محاولة للقضاء على النزعة الاستبدادية المتفشية في شرق القارة.

3- لطالما كانت هناك منافسة حامية بين كل من فرنسا وألمانيا، إلا أن انخراطهما سوياً في تكتل الاتحاد الأوروبي قد أسهم في ترويض كلا البلدين، ما يعني أنه في حال حدوث اهتزازات ببنية الاتحاد الأوروبي فإن النزاع بينهما سيعود مرة أخرى وسيعملان على تشكيل تحالفات إقليمية ودولية جديدة، وسيكون الشرق الأوسط أحد مسارح المنافسة بين القوى الأوروبية الكبرى، الأمر الذي سيسهم في تفسخ وعدم استقرار علاقات دول المنطقة الدولية.

4- ستعمل كل دولة أوروبية أيضاَ على وضع خطط للعودة والسيطرة على مناطق نفوذها الاستعماري التاريخي بأدوات عصرية. مع الوضع في الاعتبار أن معظم هذه المناطق يقع في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وكذا الخليج.

وفي الوقت الذي يدفع فيه الرئيس الأمريكي بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، ليضمن حليفاً متفقاً معه على طول الخط بحلف شمال الأطلسي، فإنه دعا دولاً أخرى لانتهاج نهج بريطانيا، وهو السلوك الذي يراه كثير من القادة الأوروبيين أنه مسعى للنيل من كيان الاتحاد الأوروبي. دون الوضع في الاعتبار أن المخاطر المترتبة على هذا الأمر إنما ستتمدد في أنحاء العالم كما تمت الإشارة إليه أعلاه، ولن تبقى فقط في نطاق دول الاتحاد الـ28، ما يعني أن الاهتمام بالإبقاء على بناء الاتحاد الأوروبي يجب أن تكون مسؤولية العالم كله لما في ذلك من دور في ضمان ما تبقى من استقرار النظام الدولي الهش.
#بلا_حدود