الخميس - 21 نوفمبر 2019
الخميس - 21 نوفمبر 2019

سر (فيكتوريا)

(لحن واحد وافقت أن أمضي معه بالرغم من أنف آهاتي! لحن واحد اخترته من بين كل الألحان التي مرت في حياتي! لحن واحد سمعته طويلاً حد النحيب والصراخ والبكاء! لحن واحد تأرجح في الفضاء بين المكر والخبث والذكاء! لحن واحد أردته وطناً وأرادني كفناً! أيا إلهي ما أجفاه وما أقساه! لحن واحد يتوجب عليّ أن أنساه).

هكذا حوّل (توماس لويس دي فيكتوريا)، أغلب التقنيات البوليفونية إلى أداة فعلية تعالج حرقة المشاعر المحمومة، وتخفّف من وطأة الأحاسيس المظلومة، وتؤكد ضرورة العلاقة المباشرة بين العبد والخالق، لتدرك البشرية أسباب التواصل العالق، بين سلطة الكنيسة والسر الفارق، عند العمل بالحسنى أو الاستعانة بالجيوش والفيالق.

يعتبر هذا الملحن الإسباني الأكثر شهرة في القرن السادس عشر، بل يعد من أهم ملحني الإصلاح المضاد للتسلط والطغيان والشر، الذي جاب المنطقة وعمّ عصر النهضة وانتشر، وكأن الظلم آنذاك ديانة اعتنقها أغلب البشر، ولهذا لم يكترث (فيكتوريا) كثيراً لأساليب العيش والكسب، حيث لم يكن ملحناً مختلفاً فحسب، بل كان عازفاً مميزاً ورائعاً، وفناناً متميزاً ومبدعاً، ومغنياً شجياً نافعاً وبارعاً، وكاهناً كاثوليكياً رادعاً وخاشعاً، حيث كان هو ذاته المنشد والقس، صاحب الخلق النبيل والمرهف الحس، ولذلك شغل مناصب مهمة، كما أحبه الأباطرة والشعب عامة.


مقارنة ببقية الملحنين في ذلك العصر، وحده من عَقد أصابعه بالنصر، رغم أن إنتاجه اعتبر قليلاً جداً، إلا أنه كان غزيراً مسافة وبُعداً، وممزوجاً بوعي زائد من كل الجهات، أثناء مزج الموسيقى بمعاني الكلمات، فقد دعمه الأثرياء والفقراء، كلاهما على حد سواء، حتى باتت أعماله كالمصباح والقنديل والمشكاة، فكتب 20 قداساً أغلبها بأسلوب «المحاكاة»، ووصل الذروة برائعته (Libra me) ففي هذه المرحلة ترتدي الشخصيات المهمة في المجتمع اللون الأسود المستور، ثم تجتمع في الكنيسة حيث يُرش الماء المقدس وتُشعَل أعواد البخور.
#بلا_حدود