الجمعة - 15 نوفمبر 2019
الجمعة - 15 نوفمبر 2019

طلعت حرب.. النجاح وليد الفشل

قبل قرن من الزمن أسس طلعت حرب بنك مصر عام 1920، دون أي دعم أو مساندة من الحكومة، ولا من رجال المال والأثرياء في مصر وكانوا كثراً!، كما لم يجد طلعت حرب حتى تعاطفاً مع فكرته من المسؤولين، فقد رآها بعضهم نوعاً من الجنون، فكيف لمصري الهوية، مسلم الديانة أن يتجه إلى تأسيس بنك ينافس به البنوك الأوروبية، وقد شاع أن اليهود تحديداً لهم قصب السبق في تأسيسها والوقوف عليها، لكن طلعت حرب وجد مساندة ودعماً بلا حدود من عموم المصريين، الذين اكتتبوا وقدموا ما لديهم حتى تأسس البنك، وأنشأ من خلاله عدة شركات كبرى في مجالات مختلفة، مثل: الغزل والنسيج والطيران والسينما والفنون.

وبضمير مستريح فإن ثورة 1919، التي قادها الزعيم سعد زغلول كانت ثورة وطنية وسياسية بامتياز، وتأسيس بنك مصر كان ثورة اقتصادية ومالية عظيمة، تهيئ مصر للقيام بأعباء الاستقلال والنهوض الوطني، هذا النجاح أزعج سلطات الاحتلال البريطاني، وحاولت أن تعرقله وتجهض التجربة بأكملها، عبر البنوك الأجنبية التي كانت تملأ القاهرة، وبطرح منتجات تنافس المنتج المصري بسعر أقل، ولم يتمكنوا، فقد كان الدعم الوطني لحرب كبيراً. وما لا يعرفه كثيرون أن طلعت حرب هذا العبقري، والذي قيل عنه إن التراب يصير ذهباً بين يديه، قد تعرض للفشل الذريع في بداية حياته، عقب تخرجه قرر أن يتجه إلى البقالة، وافتتح محلاً في حي العباسية، وكان الحي مناسباً وحالة سكانه متميزة مالياً تسمح باستيعاب هذا النوع من النشاط، في ذلك الوقت كانت البقالة في أيدي الأجانب والمتمصرين من اليونان وغيرهم، وأراد حرب دخول هذا المجال، لكنه انتهى بالفشل، لم ينجح المحل فأغلقه، واتجه إلى عمل آخر وهو تجارة الألبان، وافتتح محلاً لهذا الغرض، ولم يحقق نجاحاً، واضطر إلى إغلاقه.

ترى ماذا لو نجح في التجارة؟.. في أفضل الأحوال كنّا سنجد أنفسنا إزاء تاجر كبير مثل عشرات ومئات التجار الذين امتلأت القاهرة بهم، وبالتأكيد لم نكن نجده في مجال آخر، ولما كان بنك مصر.


إنّ المهم هنا أنّ الفشل في مشروع أو مجال، لا يعني أن الإنسان فاشل بالمطلق، وينعى حظه ويتهم نفسه والآخرين ويصيبه الإحباط واليأس، بل يعني أن يبحث عن مجال آخر يناسب قدراته واهتماماته ومواهبه، وباختصار الفشل كالنجاح، ليس قدراً مفروضاً عليناً، ولكنه اختيار وقرار تقف خلفه إرادة قوية وعمل جاد.
#بلا_حدود