الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019
الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019

مصير الأكراد والجغرافيا السياسية

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
في علوم الجغرافيا السياسية الأمر الذي يهم حقيقة هو النتيجة أكثر من نسبة معادلة التكلفة إلى الفائدة، ويمكن العثور على هذا الافتراض أو هذا الحساب في كتاب "الأمير" لمكيافيلي الذي كتبه منذ أكثر من 500 عام من الزمن، وفي هذا الصدد فإن الغزو التركي لشمال سوريا هو أفضل مثال لهذه المعادلة الواقعية.

لا ينطبق الشيء نفسه على الضوء الأخضر الممنوح لتركيا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، إلا إذا تم النظر فيه ضمن نطاق انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الأوسط، وإغاثة أوروبا فيما يتعلق بملف تدفق اللاجئين بالآلاف على المدى الطويل.

كنت قد عثرت في أرشيفي الصحفي على مقال نشرته في أبريل عام 1975، في "مجلة طهران" الإيرانية، أين كنت قد عدت للتو من المناطق التي تسيطر عليها البشمركة الكردية التي تقاتل نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حيث تمت التضحية بالأكراد من أجل اتفاق الجزائر، للتوصل إلى تسوية بين إيران والعراق، حيث توسطت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأنصار الموساد والشاه الإيراني، بينما اضطر المقاتلون إلى التخلي عن أسلحتهم وسط كل الضغوط التي أحاطت بهم، أين اضطر القرويون البائسون إلى الفرار حفاة نحو البرد والجبال العواصف الثلجية الكثيفة، لعبور الحدود وإيجاد ملاذ آمن في إيران.


لم تكن هذه هي المناسبة الأولى والأخيرة التي يتم فيها التضحية بالشعب الكردي، ففي عام 1920، بإعلان توماس وودرو ويلسون الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة حقوق الشعوب في الحكم الذاتي، كان قد فتح للأكراد آفاقاً لإقامة دولة تتمتع بالحكم الذاتي وسط خراب الإمبراطورية العثمانية، ولكن بعد الاستيلاء على السلطة من قبل مصطفى كمال أتاتورك، تم دمجهم بالقوة في تركيا الجديدة وفي ولاية الموصل العراقية وسط حقول النفط الواعدة!.

بعد أن زرت إقليم كردستان العراق في السنوات الأخيرة، عندما كانت هذه المنطقة تتمتع بالسلطة الكاملة والكفاءة المالية التامة، لم أتمكن من المساعدة في تذكير "الرفاق" من الحزب الديمقراطي الكردي، بالحنين إلى الماضي سنوات كانوا طلاباً يدرسون في جامعات بغداد، ذلك الشعور نفسه تكرر بين المقاتلين الإريتريين بعد 20 عامًا، عندما فتح نصرهم لأصدقائهم في أديس أبابا، عاصمة العدو.

أريد أن أقول أن الأكراد اليوم لا يريدون دولة منفصلة كل الانفصال، بقدر ما يريدون أن يتمتعوا بالمساواة في الحقوق والواجبات مع كل المواطنين، بغض النظر عن أصلهم ودينهم وثقافتهم وعرقهم.

إنّ المتتبع لتاريخ الأكراد سيجد أنهم لا يريدون دولة منفصلة بقدر ما يريدون مساواة فقط لا أكثر في الحقوق مع جميع المواطنين، لكن يبدو أنه تم الزج بمشروعهم في غياهب السياسة الدولية المظلمة، التي تارة تتشدق بحرية الشعوب في تقرير مصيرها، وتارة أخرى تهضم هذه الشعوب أدنى حقوقها في العيش الكريم.
#بلا_حدود