الجمعة - 15 نوفمبر 2019
الجمعة - 15 نوفمبر 2019

أنوار لا تقبل الحجب والاحتجاب

اعتدتُ منذ طفولتي أن أستذكر درسي وأقرأ وأكتب بأقل إشرافٍ ممكن، ولم يكن صعباً بالنسبة لي الاندماج مع الأطفال الآخرين في الوقت ذاته، فالفطرة السليمة جمعتنا، وكنا نضع خططاً مثل: كيف يمكن أن نتحوّل إلى أقزام لنتمكن – سرّاً – من السفر ليلاً حول العالم ونعود أدراجنا نهاراً بأحجامنا الطبيعية.. وطموحات أخرى مجنونة.

تتبدّل المعايير مع الزمن، ويصبح الأمر معتمداً على مدى توغّلنا في الدوائر البشرية وتحايلنا للحصول على المُبتغى.. لم يعد الأمر يتعلّق بالإنجاز بالمعنى الطوباوي للكلمة، بل على درجة ظرافتنا واختلاقنا للنكات في مجالس شاي الضحى، وكأننا خُلقنا للترفيه عن الآخرين وتزجية أوقات فراغهم، نحن المزدحمون بكل شيء.. سواهم. وسيتبرّع المجتمع حينها ـ بلا دعوة ـ بحمل لواء الوصاية علينا كي يحتفل أمام العالم بنجاحه في إعادتنا عنوة إلى جادة الصواب. نحن المختلفون الضالّون!

أعتقد أن المصطلحات تستغيث من سوء استخدام البشر خلافاً لأصلها، فهم يعتبرون الشخص ذكياً عاطفياً حين يُبدع في استمالة الآخرين بالمصالح الملغّمة ودمج كل شيء في كل شيء: مصالح العمل الخاص بالعائلة بالصداقة بالدراسة بالعمل الرسمي، ولو كان هذا على حساب الأولويات الأسمى، وفي حال التعذّر، سيتم نبذه في كافة النطاقات، وهكذا يتحوّل العالم فجأة من مصنع لإنتاج الأفكار، إلى ورشة لتلميع الأصنام.


لعلّ الأجدى أن ننقّب عميقاً لاستعادة الفطرة الأولى، ونترك الاختلاف في داخلنا ينتفض، ونطرح كافة المسارات على طاولة الاختيار بما تقبله النفس البشرية، فكل عقل يعمل بشكل مختلف، وعلامات الاختلاف بصمة خاصة، رغم أن هناك - وللأسف - من سيتحايل بكافة الطرق الممكنة كي نتحوّل إلى نسخةٍ تقبلها الأمزجة وتألفها، وسيصبح التجنّي في ذلك شِرعة ومِنهاجاً.

وأتساءل: لمَ هذا الهوس بصنع حساء نذوب فيه جميعاً كيلا يطغى مذاق على مذاق آخر؟.. إن كنت لاذعاً فأنت لاذغ، وإن كنت رائقاً فأنت كذلك.، فهل يمكن لعلي الوردي أن يصبح جبران خليل جبران؟، وهل يمكن لنجيب محفوظ أن يصبح إدغار آلان بو؟، وهل يمكن لعبدالله الغذامي أن يصبح نزار قباني؟

وعلى مبدأ الكاتبة شانون ألدر التي تقول «لا تسمح أبداً لأحد بأن يحجب نورك فقط لأن نورك يُعميه»، سأطلب من العالم أن يرتدي نظاراته الشمسية لأن هناك أنواراً لا تقبل الحجب والاحتجاب!
#بلا_حدود