الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019
الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019

تيه العرب بين النظرية والتطبيق

بقلم: د. صلاح عبد الله العجلوني إعلامي وباحث ـ الأردن

يجد الباحث في أسباب الخمول العربي عوامل واجتهادات متعددة، قد تكون حالة التناقض بين النظرية والتطبيق واحدة منها، فالإنسان العربي من قمة الهرم إلى قاعدته يعيش صِدام القول والفعل، والتدقيق في السلوك الجمعي والفردي يعطينا تفاصيل كثيرة تنطق بذلك ولعل فكرة الحب في الفن والوحدة في السياسة والفتوى في الدين تقدم نماذج ناطقة.

تعد فكرة الحب من أكثر المضامين التي تطرق لها الفن سواء أكان غناء أو تمثيلا، ولو دققنا في السيرة التطبيقية لمن قاموا بتلك المهمة سنجد أن كثيرا منهم فشلوا في الرسو على تجربة واحدة، وإنما تنقلوا وتقلبوا بين تجربة وأخرى، وكأنهم في لعبة مسلية لا علاقة لها بمشاعر إنسانية راقية أو حتى برسالة الفن السامية التي لا طالما تحدثوا عنها، لا بل إن العديد منهم ــ إن لم نقل غالبيتهم ــ فشل في بناء مؤسسة الأسرة وكان الطلاق رفيقهم الدائم في كل مرة إلا من رحم ربي.


أما فكرة الوحدة التي عبرت عنها شعارات عاطفية ونظريات متعددة، فسنجد أن الحمل الكاذب كان هو سيد الموقف ولو نظرنا في تجربة البعث بشقيه العراقي والسوري، لقرأنا في الشعارات المرفوعة مفردات الوحدة والتضامن والأخوة والشعب الواحد والمصير الواحد، غير أن التطبيق كان ينطق بأفعال الشقاق وشيطنة الآخر وعمليات الاغتيال والحشود العسكرية على الحدود والتحالف مع أعداء الحزب.

فمثلا؛ في الحرب العراقية الإيرانية دعم البعث السوري إيران سياسيا وعسكريا مع أن الخميني حينما كفّـر البعث لم يستثن أيا من الطرفين، أما البعث العراقي فدعم حزب الكتائب اللبناني في مواجهته للنفوذ السوري بلبنان، مع أن ذلك الحزب كان يحمل لواء الانعزال عن العروبة كفكرة وعن المحيط العربي كجغرافيا وديمغرافيا.

وفي الجانب الديني تبرز قضية الفتوى كأنموذج على الانفصال بين النظرية والتطبيق؛ فعبر عقود خلت سمعنا فتاوى متلاحقة تحث على الجهاد والاستشهاد من علماء ومشايخ، كان لها مفعول مؤثر على فئة الشباب الذين اندفعوا صوب جبهات مختلفة عبر العالم، في حين أن أولئك الشيوخ وأولادهم على الأغلب استمروا غارقين في رفاهيتهم، وفي منأى عن تطبيق تلك الفتاوى، التي إذا ما طلب إليهم إصدار نقيضها لم يتوانوا عن ذلك، واضعين تلك الفئة من الشباب في تصنيف يرضي السلطة السياسية ومزاجها المتقلب وفقا لمصالحها.

خلال مواجهتنا مع إسرائيل حشدنا كل الشعارات النارية والرنانة، والنظريات المتعلقة بتحقيق النصر والوحدة والدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، والتضامن ووحدة الصف، لكننا هزمنا.. لأننا كذبنا على أنفسنا.

إن سر النجاح يكمن بتطبيق النظرية لا الدعاية لها، فغاندي مثلا كان ترويجه لنظريته القائلة بالمقاومة السلمية ومقاطعة المنتوجات البريطانية عبر سلوك عملي جسَّده شخصيا، ما جعله قدوة لمئات الملايين من الهنود، الذين ساروا خلفه قائدا ومعلما، أما نيلسون مانديلا فدفع من عمره وحريته تطبيقا عمليا لما آمن به، ونجح في النهاية بتحويل العبيد إلى قادة، والسادة إلى تابعين.

باستطاعة التاريخ أن يسعفنا بالأمل، ولاشك أن صور النجاح فيه كثيرة، وقد آثرت أن تكون الصورة بإطار اقتصادي أخلاقي كان التجار سادته؛ فحينما زاوجوا بين النظرية والتطبيق استطاعوا نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا بأخلاقهم العملية الحسنة، صانعين له وجودا متجذرا إلى اليوم، وبالمقابل عجزت جيوش العثمانيين التي سيطر ت على أوروبا الشرقية، ووقفت على أسوار فينا في تحقيق إنجاز مماثل والتجذير لوجود إسلامي فاعل ومؤثر في تلك الجغرافيا.
#بلا_حدود