الاحد - 08 ديسمبر 2019
الاحد - 08 ديسمبر 2019

أنا أيضا لا شيء يعجبني

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة - البحرين
في رائعة محمود درويش الخالدة «لا شيء يعجبني»، عبرت الشخصيات التي تستقل الحافلة عن تبرمها من كل شيء من الجرائد والراديو والحياة والهوية والجيش، وحده السائق كان منزعجا من تبرمهم وينتظر نزولهم في المحطة الأخيرة التي رفضوا جميعهم النزول فيها عدا واحدا، كان هو الأكثر تبرما ويئسا، ولا يرى فرقا بين المحطات، فوافق على النزول.

نحن أيضا يداهمنا شعور مفاجئ بأن شيئا لم يعد يعجبنا، قد يختطفنا الشعور لدقائق وقد يسجننا لأكثر من أيام، فجأة قد يصبح كل شيء لا معنى له، لا قيمة، ولا مذاق خاص يجذبنا إليه.

إنه المعنى حين يغيب، فتتغير الأشياء وتفقد مواقعها، وتفكك علاقتها بنا، وقد تتحول عن الصورة المشرقة التي كانت عليها لتنطفئ وتخلق الكوابيس.


والمعنى هو السؤال الأزلي للحياة، من أين تكتسب الأشياء والأشخاص والأحداث معانيها؟، كيف تصبح هذه الحياة في حد ذاتها معنى وتولد باقي المعاني؟، وهو السؤال الذي لا إجابة واحدة شافية له، أو الذي قد يراه الكثيرون سؤالا لا معنى له، ولكن الفلسفات قديما وحديثا بحثت عن معاني الأشياء ومعاني الحياة، وسبرت أغوار الجوهر والعرض، وغارت كثيرا في الأعماق وقدمت الكثير من التفاصيل، ومازال السؤال قائما.. من أين يأتي المعنى؟.

ليس مهما أن نعود للفلسفات أو الأديان للبحث عن معنى الأشياء والحياة، إن المهم أن نبحث في أنفسنا لنعثر على مركز توليد المعاني فيها، كيف نضفي (نحن) على الأشياء معانيها، لتكسب حياتنا معناها الأعظم؟، هل من خبراتنا التي بنيناها بالتعامل مع الحياة والاطلاع ؟، أم بما يمليه الآخرون علينا، بقصد وتوجيه، أم تأثر شخصي منا بهم؟، أحيانا نقابل أشخاصا يمتلكون قوة يستطيعون بها فعلا خلق المعنى الذي يريدون على أي شيء وفي أي اتجاه، وقابلت أشخاصا من الهشاشة بأن يتأثروا بحركة أعين الآخرين التي قد ترفع معنوياتهم إلى عنان السماء أو تهوي بها في قاع أجرد. واحدة من أهم تفسيرات (معنى الأشياء) أن المعنى هو الكون الذي يسكننا، والآلية التي برمجنا عقولنا لتعمل بها، وبهذا المنطق نكون نحن (فقط) من يخلق المعنى، ويعدله، ويلغيه، أو يُعدمه.

في الحافلة، طلب المتبرمون من السائق إنزالهم في مابعد المحطة الأخيرة.. كانوا يمتلكون شيئا من الأمل في تجاوز النهاية الفارغة، لقد كانوا يبحثون عن معنى قد يبزغ مصادفة في الطريق يبدد يأسهم، والبحث في حد ذاته حلا وسبيلا للوصول إلى المعاني الضائعة.
#بلا_حدود