السبت - 07 ديسمبر 2019
السبت - 07 ديسمبر 2019

لعلها الموسيقى

منذ سنوات في دبي في حفلة لياني، كان يجلس أمامي رجل أراد أن يلمس الموسيقى.. أو لعل الوصف الأدق هو أن يقبض عليها، أن يختصها لنفسه، وكان كلما تجلى «ياني»، ارتفع بجسده وهو يرفع قبضة بدت وكأنها قد أمسكت بشيء ما للتو.. لعلها النوتة العالية، هكذا تخيلت الأمر.

لاحقاً مع «الثلاثي جبران» في لندن، تذكرت هذا الرجل، لكنني لم أرغب بلمس الموسيقى كان الأمر مختلفاً.. وحدي.. هكذا لكأن الموسيقى وأنا في مواجهة ولا أحد سوانا، كنت أغمض العينين لأتخيل أنني أرى.. وكنت كلما حدث التجلي، حاولت أن أدرك شكلاً ما للصوت، لعله الوجه الذي يفكر فيه العازف أمامي.. الذي يعرفه جيداً كلما دارت هذه النغمة، هذه التقاطيع، هي الفم في موضع، المزج الأول هو لون الحدقة والمزج الثاني هو شكل العين، الأنف هو صوت الوتر النافر بحدة تصاعدية.

هناك مزج آخر بين الموسيقى واللون ابتكرته علامة تجارية إنجليزية، العلامة التي تسوق لفنان موسيقي قرر أن يفرغ النوتات والأصوات الغنائية إلى ألوان.. ابتدع منها سلماً لونياً لكل نوتة موسيقية في السلم الموسيقي الفيثاغورثي وبناء على ذلك استطاع أن يخلق لوحات ملونة تبدو لوهلتها الأولى صامتة جداً.. لكن بفهمك للمنظومة اللونية فيها قد تسمع بداخلك لحناً لأغنية لبوب ديلان أو بول مكارتني، أو البيلتز أو مارلي أو غيرهم كثر.. ولعلها قد ذهب بعدها إلى قرار أكثر تطرفاً بجعل هذه اللوحات مشاعة للعامة بعيداً عن صالات العرض الفنية المغلقة والمحدودة بفئة معينة، لقد حولها إلى علامة تجارية مرتبطة بالملابس الشبابية التي جعلت ما تقوله تلك اللوحات شيئاً يوماً تراه أمامك في الشارع أو في الجامعة أو في مقهى مكتظ.


لعل الموسيقى هي مفتاح الحضارة الحقيقي، إذن هي التي تنساب في مسايرة مرنة لكل تحولاتنا الكبرى، القادرة على أن تكون الحداثة والكلاسيكية في وقت واحد، والقادرة على أن تختزل الشعور والكلمة واللون والشكل في نوتة.
#بلا_حدود