الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019
الثلاثاء - 10 ديسمبر 2019
No Image

فقهاء التفسير.. وإشكالية التسامح

يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري: المعرفة الإنسانية معرفة مقارنة، فنحن لا نعرف الشيء في حد ذاته، بل نعرفه في علاقته بشيء يشبهه وآخر يختلف عليه».

الرأي السابق للدكتور المسيري أكده التقدم العلمي، بعد التوصل إلى الوسائل والأسس التي تحدد الفوارق بين الفرد البشري بذاته، والآخر من الجنس البشري، مثل الحمض النووي كوعاء للشفرة الوراثية DNA، ثم بصمة الإبهام، ثم بصمة العين التي أثبتت باليقين المطلق أن ليس هناك من بين مجموع سكان الكرة الأرضية التي كادت تقترب من (ثمانية مليارات نسمة) فرد يطابق بصفاته الذاتية شخصاً آخر من المليارات المذكورة.

ومن الاستقراء والاستدلال نستنتج أن الاختلاف والتنوع، سواء على صعيد الوجود الفيزيائي أو على صعيد الأفكار والمعتقدات، هما من النواميس الكونية.


وعلى خلفية ما ذكرته آنفاً، فإن مصطلحي اللاهوت في المسيحية وفقه العبادات في الإسلام، يعنيان ويرمزان إلى علاقة العبادة بين الخالق (وهو الله سبحانه وتعالى الله) والإنسان الفرد.

أما مصطلحا الناسوت في المسيحية، وفقه المعاملات في الإسلام، فهما يعنيان ويرمزان إلى الأسس والقواعد والقيم التي تدير وتنظم العلاقات الأفقية بين الإنسان كفرد والآخر، أو بين الآخرين بغية التعايش معه في ظل السلم والأمان.

وبغية تأصيل مصطلح التسامح، نود هنا إزالة ما لحق بمصطلح التسامح من لبس وغموض من قبل فقهاء التفسير والتأويل للنص القرآني، في مراحل كثيرة من التاريخ الإسلامي، وبعد أن هيمنت السياسة على الفقه والفقهاء (خاصة بعد أحداث الفتنة الكبرى)، حيث أصبحت الفتوى والتفسير والتأويل تصاغ في كواليس ديوان الحاكم بما يراه، ثم ترحل إلى مطبخ الفقيه المعتمد تحت مسميات وألقاب مختلفة مثل (شيخ الإسلام، مفتي الديار، قاضي القضاة.. إلخ)، لتخرج بعدها من هذا المطبخ وقد أضفي عليها الصبغة الشرعية، ما تجعلها ملزمة للرعية وتخدم مصالح الحاكم.

وكان السبيل المتبع من قبل الفقهاء، هي الأحاديث المنسوبة إلى الرسول (وكما هو معلوم فقد استقر علماء الفقه الإسلامي على أن مستويات يقينية الأحاديث تصنف بين الصحيح، الحسن، الضعيف والموضوع).

وسعي لتأصيل مصطلح التسامح نستدل هنا بما ورد في سورة (الكافرون)، وما جاء قول الحق سبحانه وتعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) «يونس: 99».

إن التسامح وفقاً لما سبق، وكما قصده الشارع في مجمل الآيات، وأيضاً وفقاً لحرية العقيدة، فإنه يعني اعتراف بالآخر كما هو، بشكله وعرقه ولونه ومعتقده، وليس الوصاية عليه (كما ساد خلال فترات مختلفة) من خلال فرض ممارسات معينة على الآخرين المختلفين.

واستناداً لما سبق، فإن إظهار المعنى الحقيقي للتسامح، وهو الاعتراف بالآخر المختلف، بوجوده المادي، ومعتقده الديني والفكري كما قصده وعناه الشارع.

كما أنه هو الجذر الأساسي الذي يحقق الحد من ظاهرة التطرف والعنف في المجتمعات، وحتى القضاء عليه لأجل بناء الدولة الحديثة، وإقامة المجتمع الآمن والمتعايش.
#بلا_حدود