الجمعة - 14 يونيو 2024
الجمعة - 14 يونيو 2024

تونس.. محاكمة الماضي بوعي الحاضر

تونس.. محاكمة الماضي بوعي الحاضر
يعرف عن الرئيس التونسي، باجي قايد السبسي، استغلاله للمناسبات الوطنية لتوجيه رسائل سياسية مضمرة إلى مختلف الأطراف السياسية، بما يحرك المياه الراكدة أو يعيد توجيه بوصلة الأحداث التونسية.

ففي الذكرى الـ 63 لاستقلال تونس، عاد الرئيس التونسي إلى عادته في نقد الأوضاع السياسية الراهنة، ولم يكن خلال خطاب الاستقلال مدافعاً عن الخيارات الرسمية، مثل ما يفترضه موقعه، بل كان أقرب إلى موقع المعارضة، من حيث محاكمته للحكومة ورئيسها وللمسافات الفاصلة بين الرئيسين، كما شدّد السبسي على ضرورة تعديل دستور عام 2014 بشكل يعيد الاعتبار لسلطة الرئيس وصلاحياته التي قدّر أن كفتها تميل لصالح رئيس الحكومة.

في مؤاخذات الرئيس التونسي على الإخلالات الواردة في الدستور الجديد، والتي تبين أثرها في اختبارات عملية كثيرة، رجع صدى لتحفظات عديدة أبدتها أطراف سياسية وحقوقية وقانونية كثيرة، نبهت منذ البداية إلى وجوب إعادة النظر في النظام السياسي المعتمد في تونس، وإلى ضرورة الاختيار بين النظام الرئاسي أو النظام البرلماني، بدل الوقوع في منزلة هجينة بين النظامين لن تنتج سوى الأزمات.


الرئيس التونسي لم يكتفِ بإبداء التحفظات على محدودية صلاحياته، بل انتقل إلى النتائج المترتبة عن تفاوت الصلاحيات بينه وبين رئيس الحكومة بأن وضع الأخير تحت سياط نقده، حيث الإشارة إلى ضعف الأداء الحكومي وإلى تردي النتائج الاقتصادية، كانت في خدمة ما اعتبره ممارسة للسلطة التنفيذية برأس واحدة، وإلغاء لدور رئيس الجمهورية، وما قدر أنه حصيلة التوافق بين يوسف الشاهد وحركة النهضة.


ارتدى السبسي جبة المعارض في خطاب الاستقلال.. انتقد النظام السياسي، وأشار إلى الحصيلة السلبية لحكومة لم يبقَ لها من أسباب البقاء سوى دعم حركة النهضة، وأكد أن الإصلاح ممكن ولو أن تونس ينقصها رجال دولة يفكرون في مستقبل البلاد.

وصل الرئيس التونسي متأخراً عن اللحظة المناسبة فقد كانت الانتقادات التي وجهها لكل أضلاع المشهد السياسي وجيهة وصائبة، لكنها جاءت بعد سنوات من توقيتها الدقيق، ذلك أن إخلالات دستور 2014 كانت معروفة منذ لحظة صياغته، ونبّه لها خبراء القانون الدستوري، والتحالف مع النهضة إثر انتخابات 2014، كان مرفوضاً من أغلب الجهات السياسية تبعاً لانعدام المشتركات بين نداء تونس والحزب الإسلامي سوى الرغبة المشتركة في المناصب السياسية.

يبقى أنه، في الزمن السياسي الراهن في تونس، يصلح كلام الرئيس «المتأخر» للتقييم ولاستخلاص الدروس، ولا ينفع وصفات للخروج من الأزمة، فهو يحاكمُ الماضي بوعي الحاضر وينتقد أوضاعاً كان مساهماً رئيساً في صنعها.