السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

التصوير الشعبي.. الإبداع وصنعة الثقافة

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
لعل أول من استعمل كلمة (فن) بمعنى (المهارة النافعة) هو تايلور في كتابه (الإنثروبولوجيا)، وعلى الرغم من أن هذا التعريف يبدو قديماً جداً مقارنة بتلك التعريفات التي قُدمت إلى الآن، إلا أنه يُفسر لنا ارتباط الفنون بالحياة والثقافة والإمتاع، وهو أمر يرتبط بلا شك بالمنفعة التي يجنيها الفرد (الفنان - الماهر) و(المجتمع - المتلقي)، وربما لذلك ارتبط الفن قديماً بـ (الصنعة).

ولأننا نتحدث عن الفن بوصفه مهارة فإننا نربطه بثقافة المجتمع، وعمقه الحضاري، وقدرته على الابتكار والإبداع، لذا فإن الفن التصوير الشعبي الذي نجده في تلك الزخارف والأشكال المتقنة التي تميز هُوية بلد ما أو قومية ما، إنما هي فنون ذات طابع حضاري يرتبط بالإنسان وقدراته الإبداعية، حتى وإن كانت متوارثة فإنها تتطلب الإتقان والاحتراف.

إن التصوير الشعبي (فن وظيفي)، كما يقول أكرم قانصو في كتابه (التصوير الشعبي العربي)، غير أنه مرتبط بالجمال من ناحية وبثقافة المجتمع (الاجتماعية والدينية) من ناحية أخرى، الأمر الذي يجعله يرتبط بمناحي حياة الإنسان كلها؛ حيث يظهر في أشكال عدة، كالنحت والعمارة والأثاث والأزياء والصناعات الخزفية والفخارية، وغيرها الكثير من تلك الأشكال، التي نعتني بها دونما النظر والتدقيق في تلك النقوش التي تطوِّق هذه الأشكال وتمنحها حياة ورونقاً.. إنه التصوير الشعبي الذي يقدم يجعل من هذه الأشكال فنية.


ولأن الفن إنتاج أشكال وتعبيرات تمثل المجتمع، فإن مجتمعاتنا قد قدمت الكثير من الفنون التصويرية الشعبية التي تميز ثقافتنا، فكثير من زخارف محارب المساجد، وزخارف مصوغات الذهب والفضة، والمعمار في قلاعنا وحصوننا وقصورنا، ونقوش لباسنا بأنواعه وأشكاله، وكذلك النقوش المرتبطة بالأثاث، كلها تصويرات فنية تحتاج منا إلى توقف وإمعان، ذلك لأن هذه الأشكال الفنية تحمل في طابعها الثقافي طقوساً ومناسبات وعادات نابعة من المجتمع، وتقدم إبداعات تتناسب مع ثقافته الجمالية الخاصة.

إن التصوير الشعبي الذي يعبِّر عن ثقافة المجتمع ويُعد واحداً من أهم ملامح هويته، يعاني اليوم إهمالاً وتراجعاً بعد أن اتجهت الأنظار إلى الفنون الحديثة، وقدم الفنانون الشباب فكراً إبداعياً مغايراً، وإن كان مؤسساً على أسس الفن التصويري السابق، إلا أنه اتخذ سبيلاً مختلفاً، وهو أمر صحي من الناحية الثقافية، غير أنه علينا الالتفات إلى التصوير الشعبي بما يمثله من فكر وإبداع، وتقديمه وإحياؤه في أشكال تتناسب وذوق المجتمع المعاصر من ناحية، ودراسته وتقديم أشكاله بوصفها ثقافة من ناحية أخرى.
#بلا_حدود