الثلاثاء - 23 يوليو 2024
الثلاثاء - 23 يوليو 2024

غزوة نبع السلام

ليس ثمة ما يستحق النقاش حول التدخل العسكري التركي في سوريا، فأي قوات تدخل بلداً آخر من دون موافقته هي قوات احتلال واغتصاب لأراضي وسيادة ذلك البلد، إلا أن ما يستحق الوقوف عنده، هو تصريحات القادة الأتراك، فهي الأوْلى بالتحليل والبحث، لأنها تمثل جوهر الموضوع، فمن أراد أن يفهم الأمور عليه أن يقرأ ما بين السطور، لا أن يغرق في بحر التصريحات الدبلوماسية.

الرئيس التركي طيب رجب أردوغان يصف قواته المشاركة في التدخل العسكري بسوريا بالجيش المحمدي، فيما يذكرنا وزير خارجيته جاويش أوغلو بهيبة أجداده وأن دماء الجنود الأتراك هي ذات دماء الأجداد، وهنا مربط الفرس، إذ لا يمكن قراءة هذه التصريحات دون ربطها بالتاريخ، فأحلام التوسع لا تزال تعشعش في رؤوس ساسة أنقرة، كما لا تزال عقدة التفوق التركي تسيطر على تفكيرهم وتصرفاتهم تجاه دول المنطقة وشعوبها.

إذا كانت تركيا تسعى للقضاء على «المنظمات الإرهابية» كما تدعي، فلماذا استحضار الدين والتاريخ مع انطلاق تدخلها العسكري في سوريا، وهل أجداد أوغلو حاربوا الإرهابيين قبل مئات السنين ليذكرنا بدمائهم التي ما زالت تجري في عروق الجنود الأتراك؟، وهل أردوغان ذاهب لفتح إسلامي جديد ليصف قواته بالجيش المحمدي؟ فلم يبق سوى تسمية عمليتهم العسكرية بغزوة نبع السلام، علّهم يضيفون فتحاً جديداً إلى فتوحات أجدادهم.


سوريا أصبحت اليوم ساحة للصراعات الجيوسياسية وتقاسم مناطق النفوذ بين قوى توسعية، وكأنها كعكة يريد كل طرف الفوز بحصته منها، في ظل حالة التردد العربي غير المبرر في الابتعاد عن دمشق وتركها فريسة لأطماع إقليمية، فيما الدول الكبرى نفضت يدها من الشأن السوري بعد إعلان الإدارة الأمريكية سحب قواتها من شمال سوريا، فيما تدرس باريس القيام بذات الخطوة، وقد تكون اتخذت قرارها بالفعل بعد كتابة هذه السطور.


باختصار، ومن دون مواربة، سوريا واقعة تحت احتلال قوى توسعية تحمل أجندات تاريخية ودينية ترى في ضعف دمشق الآن فرصة لتنفيذ هذه الأجندات، وإذا لم تستوعب الدول العربية الدرس بشكل عاجل وتعيد حساباتها فيما يتعلق بقرار إقصاء سوريا من محيطها العربي، فقد نرى سوريا مقسمة وحينها يكون قد سبق السيف العذل.