الاثنين - 06 ديسمبر 2021
الاثنين - 06 ديسمبر 2021

بوتفليقة.. أمل البداية وألم النهاية

خالد عمر بن ققه
كاتب وصحفي ـ الجزائر
بوفاة الرئيس الجزائري السابق «عبدالعزيز بوتفليقة»، تنتهي حقبة من تاريخ الدولة الوطنية المستقلة، من حيث امتدادها رجوعاً إلى العمل الثوري (الجهادي) من جهة، والجمع بين شرعيَّة التاريخ والممارسة الديمقراطية ـ شكلاً ومضموناً ـ من جهة ثانية، ذلك أن الرهان في المستقبل على الجمع بينهما في المستقبل مرة أخرى يبدو ضرباً من المستحيل، حتى لو كان العسكريون، وقلّة ممن عمّروا وبلغوا من العمر عتيّاً، بعضهم لبعض ظهيراً.

لا جدوى اليوم من أي نقاش ـ حتى لو كان مَوضوعيّاً ـ لتجربة الرئيس بوتفليقة ـ رحمه الله ـ في الحكم، فقد قضى سنواته الأخيرة مكبّلاً بقيود المرض، وبظلم ذوي القربى ممن أرادوه أن يبقى في الحكم، حتى لو كان بلا حركة، وعبره ينفذون أجنداتهم الخاصة، ومنهم شقيقه السعيد بوتفليقة، وكثير من القادة العسكريين والمدنيين الذين قربهم منه بعد أن دانت له تلك الرقاب، طوْعاً أو كرهاً.

لذلك كله، يكون من الظلم، حساب سنواته الأخيرة في الحكم، باعتبارها جزءاً من عمره السياسي، لأن بوتفليقة الذي عرفناه وتعلقنا به، وأيدناه سياسياً في بعض المراحل كان ـ وسيبقى ـ أكبر من اختزاله في محاولة بطانة السوء ترشيحه لفترة رئاسية خامسة وهو في عجز حَالَ دون وعْيِهِ بما حوله.. لقد كان مناضلاً شهماً، ودبلوماسيّاً محنَّكاً، ورئيساً شرعيّاً، ومنقذاً في البداية حين كان صاحب رشد في العقل، وسلامة في الصحة، وقيمة لدى نفسه وشعبه والعالم.


لقد نصحه كثيرون بالقول: «لا تترك من حولك يأخذون من عمرك ونضالك.. سينتهون بك إلى الخروج من التاريخ مثل غيرك من بعض الرؤساء العرب»، وما كان بوتفليقة في حاجة لنصيحة منهم، لأنه ما كان في مقدوره سماعها، ذلك أن شلّة المنتفعين حوله أصمَّت أُذنيْه، وأعمت بصره وبصيرته، ودفعت به إلى نهايات مؤلمة له ولنا.

ومهما تكن نظرتنا إلى سنوات حكمه الأخيرة، فلا شك أننا فقدنا قائداً تاريخيّاً.. صحيح أننا لم نُجْمِع على زعامته، ولكن لا يمكن لنا الاختلاف حول أنه أعاد لنا الأمل بعد أن فقدناه، فقبل انتخابه كانت الدولة الجزائرية تحتضر وتسقى بالدم، حتى إذا ما وصل إلى الحكم عمّ السلام، وما واجهنا من أزمات بعد ذلك ليست صنيعته وحده، بل هي شراكة بين الجميع، وخاصة المؤسسات، وإذا كنا قد حمّلناه جُرمنا حيّاً، ونزعناه ومن معه من السلطة، فعلينا أن نُنْصفه ميّتاً على الأقل، بالقول: «إننا واجهناك حين أعتقدنا أنك ظالم.. لكننا لم نحمكَ مظلوماً».