الاحد - 17 يناير 2021
الاحد - 17 يناير 2021

إشكالية تصديق التاريخ.. والحاضر مزوَّر

أحمد الهاشمي مدوّن وروائي ـ الإمارات

يحكى أن أحد الملوك كان قد قَسا على حاشيته، فقرروا التخلص منه والإيعاز لأخيه وولي عهده بقتله وتنصيبه ملكاً على العرش، وبعد محاولاتهم المتكررة وإغرائه بالمُلك والجاه، قام الأخ بقتل أخيه واعتلاء العرش كما كان مُخططاً، إلا أن الشعور بالذنب بات يلاحقه أينما ارتحل، فقرر أخيراً الانتقام لأخيه وتنفيذ حُكم القصاص على الوشاة الخونة، وإعدامهم في ساحة المدينة، ففرح الناس ولقبوه حينها بـ«الملك العادل الذي أخذ بثأر أخيه»، مع أن الحقيقة تقول: إنه هو من قتل أخاه، لا هُم! علمنا التاريخ ألا نبحث في تفاصيله من زاوية واحدة، وألا نكتفي بمصدرٍ أو اثنين لنرسم ما نشاء من أفكار، فكم من منتصر سطَّر قصص بطولاته بنفسه وأخرجها باسم غيره، وكم من مظلوم تعمد إظهار ظالمه بأبشع صورة ليسلط عليه أبشع الآراء، وكم من عابث بالكلمات سطرها بعشوائية ليقحم نفسه بين رواد التاريخ والأدب والشعر والفلسفة وغيرها.

الخليفة العباسي هارون الرشيد مثلاً، نجده في عدد من كتب التاريخ الخليفة المسلم الذي يغزو عاماً ويحج عاماً، ونراه في قصص «ألف ليلة وليلة» الخليفة الفاسد الذي يسكر يوماً ويضاجع النساء يوماً آخر، وتبقى بعض السمات المتواضعة المشتركة بين الروايتين أهمها: اسمه ولقبه والعصر الذي عاش فيه، ولا شيء مهم آخر.


الحال نفسها تنطبق اليوم، والأغرب أنا بالصوت والصورة والأدلة وعبر مختلف المحطات الإعلامية، وبتحليل عميق وحوارات ونقاشات، وشهود يُقسمون بالله على ما يقولون، حتى يظن صاحب الشأن نفسه، أن الحقيقة هي غير ما عاشها، مشككاً في رجاحة عقله وأهليته وحتى مستوى قوة نظره، أما من لم يعشها فلا خيار آخر له سوى تصديق ما يقال إن كان مهتماً بها، فهو على الأقل أكثر حظاً من ذاك الذي عاش وقائعها، وبات مجبراً على تصديق غيرها.

قد يُعد وجود التناقضات في تناول وسائل الإعلام للأحداث «ديمقراطية» إعلامية أحياناً، وفي أحيان أخرى، ظاهرة صحية تمكن المتلقي من التمعن فيما يدور حوله، حتى لو تضمنت اختلافات في تناول الوقائع والأرقام نفسها، إلا أنها كذلك قد تدخله في دوامة من المعطيات المتناقضة التي تجعل من الصعب عليه الحصول على معلومة حقيقية مفيدة قد يحتاج معرفتها، ولا يدري أين يجدها.

ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي كأحد الوسائل الناقلة للمعلومات، وهي المعروفة بسهولة إنشائها وسرعة وصولها للجمهور، بات واضحاً تضاعف أعداد المنصات الإخبارية وتشعب مضامينها، وهو ما يعني نشر ملايين الأخبار والقصص والمعلومات في دقيقة واحدة وبكل اللغات المتاحة، دون حاجة أغلبها للمراجعة أو التحقق من صحتها، أما ناشرها فليس هو المنتصر الذي يكتب التاريخ عادة كما كان يُقال، بل ربما يكون شخصاً مستلقياً على فراشه أراد إثراء حدث ما في العالم، بمعلومة ما في جعبته!

وعودة إلى حكاية ملِكنا العادل، فتذكر الحكاية أن تفاصيل قتله لأخيه بدأت تتفشى بين الناس في المملكة، وباتت الموضوع المفضل في أغلب مجالسها، والتي خاف الملك الجديد أن تودي به إلى حتف أخيه، فقرر اللجوء إلى خطة إعلامية مضللة جديدة، عبر إعدامه أحد المساجين المحكوم عليهم بالسجن المؤبد، في تلك الساحة بمنتصف المدينة مجدداً، مُدعياً أنه ساحر كان قد سيطر عليه وأعمى بصيرته وسيّره لقتل أخيه الملك، ليتمكن من الحصول على عفو ملكي يُمكنه الخروج من السجن، وذلك بالاتفاق على الحاشية التي تم القصاص منها! ليصدقه الناس عن قناعة أكثر هذه المرة، ويهتفوا باسم ملكهم العادل إلى الأبد.

لذلك، قيل: كيف نصدق التاريخ والحاضر يزور أمامنا!
#بلا_حدود